تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
ضاحك في الدار ، لا يجوز حذف ضاحك البتة . وإذا قلت : زيد في الدار فالعامل كون مطلق يحذف . وكذلك زيد ناج من بني تميم ، لا يجوز حذف ناج . ولو قلت : زيد من بني تميم جاز على تقدير كائن من بني تميم ، والمحذوف فيما جوزه الزمخشري وهو قوله : منزلا أو محمولا ، لا يجوز حذفه على ما تقرر في علم النحو . وإذا كان العامل في الظرف أو المجرور مقيدا صار ذلك الظرف أو المجرور ناقصا ، فلا يجوز أن يقع صلة ، ولا خبر إلا في الحال . ولا في الأصل ، ولا صفة ، ولا حالا ، ومعنى سؤالهم : أن يعطيهم ما وعدهم ، أن يثيبهم على الإيمان والطاعة حتى يكونوا ممن يؤتيهم اللّه ما وعد المؤمنين ، ومعلوم أنه تعالى منجز ما وعد ، فسألوا إنجاز ما ترتب على الإيمان . والمعنى : التثبيت على الإيمان حتى يكونوا ممن يستحق برحمة اللّه تعالى إنجاز الوعد . وقيل : هذا السؤال جاء على سبيل الالتجاء إلى اللّه تعالى والتضرّع له ، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستغفرون ، مع علمهم أنهم مغفور لهم ، يقصدون بذلك التذلل والتضرع إليه والالتجاء . وقيل : استبطئوا النصر الذي وعدوا به فسألوا أن يعجل لهم وعده ، فعلى هذا وهو أن يكون الموعود به النصر يكون الإيتاء في الدّنيا ، وعلى أن يكون الجنة يكون الإيتاء في الآخرة . وقرأ الأعمش : على رسلك بإسكان السين .
وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ
فسر الإخزاء هنا بما فسر في فقد أخزيته . ويوم القيامة معمول لقوله : ولا تخزنا . ويجوز أن يكون من باب الإعمال ، إذ يصلح أن يكون منصوبا بتخزنا وبآتنا ما وعدتنا ، إذا كان الموعود به الجنة .
إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
ظاهره أنه تعليل لقوله :
وَآتِنا ما وَعَدْتَنا
« 1 » . وقال ابن عطية : إشارة إلى قوله تعالى :
يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
« 2 » فهذا وعده تعالى ، وهو دال على أنّ الخزي إنما هو مع الخلود انتهى . وانظر إلى حسن محاورة هؤلاء الذاكرين المتفكرين ، فإنهم خاطبوا اللّه تعالى بلفظة ربنا ، وهي إشارة إلى أنه ربهم أصلحهم وهيأهم للعبادة ، فأخبروا أولا بنتيجة الفكر وهو قولهم :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
« 3 » ثم سألوه أن يقيهم النار بعد تنزيهه عن النقائص . وأخبروا عن حال من يدخل النار وهم الظالمون الذين لا يذكرون اللّه ، ولا يتفكرون في
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 194 . ( 2 ) سورة التحريم : 66 / 8 . ( 3 ) سورة آل عمران : 3 / 191 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 475 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل