تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
ولذلك عز على عليّ وأهل البيت كونهم استبد عليهم في المشورة في خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهم أجمعين ، وفيما ذا أمر أن يشاورهم . قيل : في أمر الحرب والدنيا وقيل : في الدين والدنيا ما لم يرد نص ، ولذلك استشار في أسرى بدر . وظاهر هذه الأوامر يقتضي أنه أمر بهذه الأشياء ، ولا تدل على تريب زماني . وقال ابن عطية : أمر بتدريج بليغ ، أمر بالعفو عنهم فيما يخصه ، فإذا صاروا في هذه الدرجة أمر بالاستغفار فيما للّه ، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في الأمور انتهى . وفيه بعض تلخيص ، ولا يظهر هذا التدريج من اللفظ ، ولكن هذه حكمة تقديم هذه الأوامر بعضها على بعض . أمر أولا بالعفو عنهم ، إذ عفوه عنهم مسقط لحقه ، ودليل على رضاه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم ، وعدم مؤاخذته . ولما سقط حقه بعفوه استغفر لهم اللّه ليكمل لهم صفحه وصفح اللّه عنهم ، ويحصل لهم رضاه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضا اللّه تعالى . ولما زالت عنهم التبعات من الجانبين شاورهم إيذانا بأنهم أهل للمحبة الصادقة والخلة الناصحة ، إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان معتقدا فيه المودة والعقل والتجربة . والظاهر أن قوله : فاعف عنهم أمر له بالعفو . وقيل : معناه سلني العفو عنهم لأعفو عنهم ، والمعفو عنه والمسؤول الاستغفار لأجله . قيل : فرارهم يوم أحد ، وترك إجابته ، وزوال الرّماة عن مراكزهم . وقيل : ما يبدون من هفواتهم وألسنتهم من السقطات التي لا يعتقدونها ، كمناداتهم من وراء الحجرات . وقول بعضهم : إن كان ابن عمتك وجر رداءه حتى أثر في عنقه ، وغير ذلك مما وقع منهم على سبيل الهفوة . ومن غريب النقول والمقول وضعيفه الذي ينزه عنه القرآن قول بعضهم : أن قوله تعالى : وشاورهم في الأمر ، أنه من المقلوب . والمعنى : وليشاوروك في الأمر . وذكر المفسرون هنا جملة مما ورد في المشاورة من الآيات والأحاديث والآثار . وذكر ابن عطية : إن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ، ومن لا يستشير أهل العلم والدّين فعزله واجب ، هذا ما لا خلاف له . والمستشار في الدّين عالم دين ، وقلّ ما يكون ذلك إلا في عاقل . قال الحسن : ما كمل دين امرئ لم يكمل عقله ، وفي الأمور الدنيوية عاقل مجرب واد في المستشير انتهى كلام ابن عطية ، وفيه بعض تلخيص . وقراءة الجمهور : في الأمر ، وليس على العموم . إذ لا يشاور في التحليل والتحريم . والأمر : اسم جنس يقع للكل وللبعض . وقرأ ابن عباس : في بعض الأمر
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
أي : فإذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاجعل تفويضك فيه إلى اللّه تعالى ، فإنه العالم بالأصلح لك ، والأرشد لأمرك ، لا يعلمه من أشار عليك . وفي هذه الآية دليل على المشاورة وتخمير
البحر المحيط في التفسير — صفحة 409 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل