تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
متم ، وكسر الباقون . والضم أقيس وأشهر . والكسر مستعمل كثيرا وهو شاذ في القياس ، جعله المازني من فعل يفعل ، نظير دمت تدوم ، وفضلت تفضل ، وكذا أبو علي ، فحكما عليه بالشذوذ . وقد نقل غيرهما فيه لغتين إحداهما : فعل يفعل ، فتقول مات يموت . والأخرى : فعل يفعل نحو مات يمات ، أصله موت . فعلى هذا ليس بشاذ ، إذ هو مثل خاف يخاف ، فأصله موت يموت . فمن قرأ بالكسر فعلى هذه اللغة ولا شذوذ فيه ، وهي لغة الحجاز يقولون : متم من مات يمات قال الشاعر : عيشي ولا تومي بأن تماتي وسفلى مضر يقولون : متّم بضم الميم من مات يموت ، نقله الكوفيون . وقرأ الجمهور : تجمعون بالتاء على سياق الخطاب في قوله : ولئن قتلتم . وقرأ قوم منهم حفص عن عاصم بالياء ، أي مما يجمعه الكفار المنافقون وغيرهم .
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
هذا خطاب عام للمؤمن والكافر . أعلم فيه أن مصير الجميع إليه ، فيجازي كلا بعمله ، هكذا قال بعضهم . وكأنه لما رأى الموت والقتل أطلقا ولم يقيدا بذكر سبيل اللّه كما قيدا في الآية ، فهم أنّ ذلك عام . والظاهر أنّه خطاب للمؤمنين كالخطاب السابق ، ولذلك قدره الزمخشري : لإلى الرّحيم الواسع الرحمة المميت العظيم الثواب تحشرون . قال : ولوقوع اسم اللّه هذا الموقع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به سيان ليس بالخفي انتهى . يشير بذلك إلى مذهبه : من أن التقديم يؤذن بالاختصاص ، فكان المعنى عنده : فإلى اللّه لا غيره تحشرون . وهو عندنا لا يدل بالوضع على ذلك ، وإنما يدل التقديم على الاعتناء بالشيء والاهتمام بذكره ، كما قال سيبويه : وزاده حسنا هنا أنّ تأخر الفعل هنا فاضلة ، فلو تأخر المجرور لفات هذا الغرض وتضمنت الآية تحقير أمر الدنيا والحرص على الشهادة ، وأنّ مصير العالم كلهم إلى اللّه ، فالموافاة على الشهادة أمثل بالمرء ليحرز ثوابها ويجده وقت الحشر . وقدّم الموت هنا على القتل لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر ، وتزهيد في الدنيا والحياة ، والموت فيها مطلق لم يقيد بشيء . فإما أن يكون الخطاب مختصا بمن خوطب قبل أو عاما واندرج أولئك فيه ، فقدّم لعمومه ، ولأنه أغلب في الناس من القتل ، فهذه ثلاثة مواضع . ما ماتوا وما قتلوا : فقدم الموت على القتل لمناسبة ما قبله من قوله :
إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى
« 1 »
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 156 .