تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
صحيح ، لكنّ زيادة ما للتوكيد لا ينكره في أماكنه من له أدنى تعلق بالعربية ، فضلا عن من يتعاطى تفسير كلام اللّه ، وليس ما في هذا المكان مما يتوهمه أحد مهملا فلا يحتاج ذلك إلى تأويلها بأن يكون استفهاما للتعجب . ثمّ إنّ تقديره ذلك : فبأي رحمة ، دليل على أنّه جعل ما مضافة للرحمة ، وما ذهب إليه خطأ من وجهين : أحدهما : أنه لا تضاف ما الاستفهامية ، ولا أسماء الاستفهام غير أي بلا خلاف ، وكم على مذهب أبي إسحاق . والثاني : إذا لم تصح الإضافة فيكون إعرابه بدلا ، وإذا كان بدلا من اسم الاستفهام فلا بد من إعادة همزة الاستفهام في البدل ، وهذا الرجل لحظ المعنى ولم يلتفت إلى ما تقرر في علم النحو من أحكام الألفاظ ، وكان يغنيه عن هذا الارتباك والتسلق إلى ما لا يحسنه والتسور عليه . قول الزجاج في ما هذه ؟ إنها صلة فيها معنى التوكيد بإجماع النحويين .
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
بين تعالى أن ثمرة اللين هي المحبة ، والاجتماع عليه . وأن خلافها من الجفوة والخشونة مؤد إلى التفرق ، والمعنى : لو شافهتهم بالملامة على ما صدر منهم من المخالفة والفرار لتفرّقوا من حولك هيبة منك وحياء ، فكان ذلك سببا لتفرّق كلمة الإسلام وضعف مادته ، وإطماعا للعدو واللين والرفق ، فيكون فيما لم يفض إلى إهمال حق من حقوق اللّه تعالى . وقال تعالى في حق الكفار :
وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ *
« 1 » وفي وصفه صلّى اللّه عليه وسلّم في الكتب المنزلة أنه ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق . والوصفان قيل بمعنى واحد ، فجمعا للتأكيد . وقيل : الفظاظة الجفوة قولا وفعلا . وغلظ القلب : عبارة عن كونه خلق صلبا لا يلين ولا يتأثر ، وعن الغلظ تنشأ الفظاظة تقدم ما هو ظاهر للحس على ما هو خاف ، وإنما يعلم بظهور أثره .
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
أمره تعالى بالعفو عنهم ، وذلك فيما كان خاصا به من تبعة له عليهم ، وبالاستغفار لهم فيما هو مختص بحق اللّه تعالى وبمشاورتهم . وفيها فوائد تطييب نفوسهم ، والرفع من مقدارهم بصفاء قلبه لهم ، حيث أهلهم للمشاورة ، وجعلهم خواص بعد ما صدر منهم ، وتشريع المشاورة لمن بعده ، والاستظهار برأيهم فيما لم ينزل فيه وحي . فقد يكون عندهم من أمور الدنيا ما ينتفع به ، واختبار عقولهم ، فينزلهم منازلهم ، واجتهادهم فيما فيه وجه الصلاح . وجرى على مناهج العرب وعادتها في الاستشارة في الأمور ، وإذا لم يشاور أحدا منهم حصل في نفسه شيء ،
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 9 / 73 .