تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
وتقدّم القتل على الموت بعد ، لأنه محل تحريض على الجهاد ، فقدم الأهم والأشرف . وقدم الموت هنا لأنه الأغلب ، ولم يؤكد الفعل الواقع جوابا للقسم المحذوف لأنه فصل بين اللام المتلقى بها القسم وبينه بالجار والمجرور . ولو تأخر لكان : لتحشرن إليه كقوله : ليقولن ما يحبسه . وسواء كان الفصل بمعمول الفعل كهذا ، أو بسوف . كقوله :
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
« 1 » أو بقد كقول الشاعر :
كذبت لقد أصبى على المرء عرسه * وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
قال أبو علي : الأصل دخول النون فرقا بين لام اليمين ولام الابتداء ، ولام الابتداء لا تدخل على الفضلات ، فبدخول لام اليمين على الفضلة وقع الفصل ، فلم يحتج إلى النون . وبدخولها على سوف وقع الفرق ، فلم يحتج إلى النون ، لأن لام الابتداء لا تدخل على الفعل إلا إذا كان حالا ، أمّا إذا كان مستقبلا فلا .
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
متعلق الرحمة المؤمنون . فالمعنى : فبرحمة من اللّه عليهم لنت لهم ، فتكون الرحمة امتن بها عليهم . أي : دمثت أخلاقك ولان جانبك لهم بعد ما خالفوا أمرك وعصوك في هذه القراءة ، وذلك برحمة اللّه إياهم . وقيل : متعلق الرحمة المخاطب صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي برحمة اللّه إياك جعلك لين الجانب موطأ الأكناف ، فرحمتهم ولنت لهم ، ولم تؤاخذهم بالعصيان والفرار وإفرادك للأعداء ، ويكون ذلك امتنانا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ويحتمل أن يكون متعلق الرحمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن جعله على خلق عظيم ، وبعثه بتتميم محاسن الأخلاق والمؤمنين ، بأن لينه لهم . وما هنا زائدة للتأكيد ، وزيادتها بين الباء وعن ومن والكاف ، وبين مجروراتها شيء معروف في اللسان ، مقرر في علم العربية . وذهب بعض الناس إلى أنها منكرة تامة ، ورحمة بدل منها . كأنه قيل : فبشيء أبهم ، ثم أبدل على سبيل التوضيح ، فقال : رحمة . وكان قائل هذا يفر من الإطلاق عليها أنهار زائدة . وقيل : ما هنا استفهامية . قال الرازي : قال المحققون : دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين غير جائز ، وهنا يجوز أن تكون ما استفهامية للتعجب تقديره : فبأي رحمة من اللّه لنت لهم ، وذلك بأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم أنه ما أظهر البتة تغليظا في القول ، ولا خشونة في الكلام ، علموا أنّ هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني قبل ذلك انتهى كلامه . وما قاله المحققون :
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 49 .