تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
قال الزمخشري : وقد أورد سؤالا على ما تتعلق به ليجعل ، قال : أو لا يكونوا بمعنى : لا يكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ، ليجعله اللّه حسرة في قلوبهم خاصة ، ويصون منها قلوبكم انتهى كلامه . وهو كلام شيخ لا تحقيق فيه ، لأن جعل الحسرة لا يكون سببا للنهي كما قلنا ، إنما يكون سببا لحصول امتثال النهي وهو : انتفاء المماثلة ، فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم ، إذ لم يوافقوهم فيما قالوه واعتقدوه . فلا تضربوا في الأرض ولا تغزوا ، فالتبس على الزمخشري استدعاء انتفاء المماثلة لحصول الانتفاء ، وفهم هذا فيه خفاء ودقة . وقال ابن عيسى وغيره : اللام متعلقة بالكون ، أي : لا تكونوا كهؤلاء ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم دونكم انتهى . ومنه أخذ الزمخشري قوله : لكن ابن عيسى نص على ما تتعلق به اللام ، وذاك لم ينص . وقد بينا فساد هذا القول . وإذا كانت لام الصيرورة والعاقبة تعلقت بقالوا ، والمعنى : أنهم لم يقولوا لجعل الحسرة ، إنما قالوا ذلك لعلة ، فصار مآل ذلك إلى الحسرة والندامة ، ونظروه بقوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ، ولم يلتقطوه لذلك ، إنما آل أمره إلى ذلك . وأكثر أصحابنا لا يثبتون للام هذا المعنى - أعني أن تكون اللام للعاقبة والمآل - وينسبون هذا المذهب للأخفش . وأما الإشارة بذلك فقال الزجاج : هو إشارة إلى الظن ، وهو أنهم إذا ظنوا أنهم لو لم يحضروا لم يقتلوا ، كان حسرتهم على من قتل منهم أشدّ . وقال الزمخشري : ما معناه الإشارة إلى النطق والاعتقاد بالقول . وقال ابن عطية : الإشارة بذلك إلى هذا المعتقد الذي لهم ، جعل اللّه ذلك حسرة ، لأن الذي يتيقن أن كل موت وقتل بأجل سابق يجد برد اليأس والتسليم للّه تعالى على قلبه ، والذي يعتقد أن حميمه لو قعد في بيته لم يمت يتحسر ويتلهف انتهى . وهذه أقوال متوافقة فيما أشير بذلك إليه . وقيل : الإشارة بذلك إلى نهي اللّه تعالى عن الكون مثل الكافرين في هذا المعتقد ، لأنهم إذا رأوا أن اللّه قد وسمهم بمعتقد وأمر بخلافهم كان ذلك حسرة في قلوبهم . وقال ابن عطية : ويحتمل عندي أن تكون الإشارة إلى النهي والانتهاء معا ، فتأمله انتهى . وهذه كلها أقوال تخالف الظاهر . والذي يقتضيه ظاهر الآية أن الإشارة إلى المصدر المفهوم من قالوا ، وأن اللام للصيرورة ، والمعنى : أنهم قالوا هذه المقالة قاصدين التثبيط عن الجهاد والإبعاد في الأرض ، سواء كانوا معتقدين صحتها أو لم يكونوا معتقديها ، إذ كثير من الكفار قائل بأجل واحد ، فخاب هذا القصد ، وجعل اللّه ذلك القول حسرة في قلوبهم