تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
عبد اللّه : للمؤمنين بلام الجر على معنى : ترتب وتهيئ . ويظهر أنّ الأصل تعديته لواحد بنفسه ، وللآخر باللام لأن ثلاثيه لا يتعدى بنفسه ، إنما يتعدى بحرف جر . وقرأ الأشهب : مقاعد القتال على الإضافة ، وانتصاب مقاعد على أنه مفعول ثان لتبوئ . ومن قرأ للمؤمنين كان مفعولا لتبوئ ، وعداه باللام كما في قوله :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
« 1 » وقيل : اللام في لإبراهيم زائدة ، واللام في للقتال لام العلة تتعلق بتبوئ . وقيل : في موضع الصفة لمقاعد . وفي الآية دليل على أن الأئمة هم الذين يتولون أمر العساكر ويختارون لهم المواضع للحرب ، وعلى الأجناد طاعتهم قاله : الماتريدي . وهو ظاهر .
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
أي سميع لأقوالكم ، عليم بنياتكم . وجاءت هاتان الصفتان هنا لأنّ في ابتداء هذه الغزوة مشاورة ومجاوبة بأقوال مختلفة ، وانطواء على نيات مضطربة حسبما تضمنته قصة غزوة أحد .
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا
الطائفتان : بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، وهما الجناحان قاله : ابن عباس ، وجابر ، والحسن ، وقتادة ، ومجاهد ، والربيع ، والسدي ، وجمهور المفسرين . وقيل : الطائفتان هما من الأنصار والمهاجرين . روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج في ألف . وقيل : في تسعمائة وخمسين ، والمشركون في ثلاثة آلاف . ووعدهم الفتح إن صبروا ، فانخذل عبد اللّه بن أبي بثلث الناس . وسبب انخذاله أنه أشار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة حين شاوره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يشاوره قبلها ، فأشار عليه بالمقام في المدينة فلم يفعل وخرج ، فغضب عبد اللّه وقال : أطاعهم ، وعصاني . وقال : يا قوم على م نقتل أنفسنا وأولادنا ، فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري . و في رواية أبو جابر السلمي فقال : أنشدكم اللّه في نبيكم وأنفسكم . فقال عبد اللّه : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، فهم الجبان باتباع عبد اللّه ، فعصمهم اللّه ومضوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ابن عباس : أضمروا أن يرجعوا ، فعزم اللّه لهم على الرشد فثبتوا ، وهذا الهمّ غير مؤاخذ به ، إذ ليس بعزيمة ، إنما هو ترجيح من غير عزم . ولا شك أن النفس عندما تلاقي الحروب ومن يجالدها يزيد عليها مثلين وأكثر ، يلحقها بعض الضعف عن الملاقاة ، ثم يوطئها صاحبها على القتال فتثبت وتستقر . ألا ترى إلى قول الشاعر :
هامش
( 1 ) سورة الحج : 22 / 26 .