تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
وقولي : كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي
و
إِذْ هَمَّتْ
: بدل من إذ غدوت . قال الزمخشري : أو عمل فيه معنى سميع عليم انتهى . وهذا غير محرر ، لأن العامل لا يكون مركبا من وصفين ، فتحريره أن يقول : أو عمل فيه معنى سميع أو عليم ، وتكون المسألة من باب التنازع . وجوز أن يكون معمولا لتبوئ ، ولغدوت . وهمّ يتعدى بالباء ، فالتقدير : بأن تفشلا والمعنى : أن تفشلا عن القتال . وأما أحسن قول الشاعر في التحريض على القتال والنهي عن الفشل :
قاتلوا القوم بالخداع ولا * يأخذكم عن قتالهم فشل
القوم أمثالكم لهم شعر * في الرأس لا ينشرون إن قتلوا
وأدغم السبعة تاء التأنيث في الطاء ، وعن قالون خلاف ذكرناه في عقد اللآلئ في القراءات السبع العوالي من إنشائنا . والظاهر أن هذا الهم كان عند تبوئة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مقاعد للقتال وانخذال عبد اللّه بمن انخذل . وقيل : حين أشاروا عليه بالخروج وخالفوا عبد اللّه بن أبي . وفي قوله : طائفتان إشارة لطيفة إلى الكناية عن من يقع منه ما لا يناسب والستر عليه ، إذ لم يعين الطائفتين بأنفسهما ، ولا صرح بمن هما منه من القبائل سترا عليهما .
وَاللَّهُ وَلِيُّهُما
معنى الولاية هنا التثبيت والنصر ، فلا ينبغي لهما أن يفشلا . وقيل : جعلها من أوليائه المثابرين على طاعته . وفي البخاري عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال : فينا نزلت
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما
قال : نحن الطائفتان بنو حارثة ، وبنو سلمة . وما تحب أنها لم تنزل لقول اللّه :
وَاللَّهُ وَلِيُّهُما
قال ذلك جابر لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء اللّه ، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية ، وأنّ تلك الهمة المصفوح عنها لكونها ليست عزما كانت سببا لنزولها . وقرأ عبد اللّه : واللّه وليهم أعاد الضمير على المعنى لا على لفظ التثنية ، كقوله :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
« 1 » و
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا
« 2 » وهذه الجملة لا موضع لها من الإعراب ، بل جاءت مستأنفة لثناء اللّه على هاتين الطائفتين .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
لما ذكر تعالى ما همت به الطائفتان من الفشل ، وأخبر تعالى أنه وليهما ، ومن كان اللّه وليه فلا يفوض أمره إلا إليه . أمرهم بالتوكل عليه ، وقدم المجرور للاعتناء بمن يتوكل عليه ، أو للاختصاص على مذهب من يرى ذلك . ونبّه
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : 49 / 9 . ( 2 ) سورة الحج : 22 / 19 .