تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
المحدودة باعتبار الاحتمال الثاني . والباء في بمؤمنين زائدة والموضع نصب لأن ما حجازية وأكثر لسان الحجاز جر الخبر بالباء ، وجاء القرآن على الأكثر ، وجاء النصب في القرآن في قوله :
ما هذا بَشَراً
« 1 » و
ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ
. وأما في أشعار العرب فزعموا أنه لم يحفظ منه أيضا إلا قول الشاعر :
وأنا النذير بحرة مسودة * تصل الجيوش إليكم أقوادها
أبناؤها متكفون أباهم * حنقوا الصدور وما هم أولادها
ولا تختص زيادة الباء باللغة الحجازية ، بل تزاد في لغة تميم خلافا لمن منع ذلك ، وإنما ادعينا أن قوله : بمؤمنين في موضع نصب لأن القرآن نزل بلغة الحجاز ، لأنه حين حذفت الباء من الخبر ظهر النصب فيه ، ولها أحكام كثيرة في باب معقود في النحو . وإنما زيدت الباء في الخبر للتأكيد ، ولأجل التأكيد في مبالغة نفي إيمانهم ، جاءت الجملة المنفية اسمية مصدرة بهم ، وتسلط النفي على اسم الفاعل الذي ليس مقيدا بزمان ليشمل النفي جميع الأزمان ، إذ لو جاء اللفظ منسحبا على اللفظ المحكي الذي هو : آمنا ، لكان : وما آمنوا ، فكان يكون نفيا للإيمان الماضي ، والمقصود أنهم ليسوا متلبسين بشيء من الإيمان في وقت ما من الأوقات ، وهذا أحسن من أن يحمل على تقييد الإيمان المنفي ، أي وما هم بمؤمنين باللّه واليوم الآخر ، ولم يردّ اللّه تعالى عليهم قولهم : آمنا ، إنما رد عليهم متعلق القول وهو الإيمان ، وفي ذلك رد على الكرامية في قولهم : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب . وهم في قوله :
وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
عائد على معنى من ، إذ أعاد أولا على اللفظ فأفرد الضمير في يقول ، ثم أعاد على المعنى فجمع . وهكذا جاء في القرآن أنه إذا اجتمع اللفظ والمعنى بدئ باللفظ ثم أتبع بالحمل على المعنى . قال تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
« 2 » ،
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ
« 3 » الآية ،
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً
« 4 » . وذكر شيخنا الإمام علم الدين أبو محمد عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري الأندلسي الأصل المصري المولد والمنشأ ، المعروف بابن بنت العراقي ، رحمه اللّه تعالى ، أنه جاء موضع واحد في القرآن بدئ فيه بالحمل على المعنى أولا ثم أتبع بالحمل على اللفظ ، وهو قوله تعالى :
وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى
هامش
( 1 ) سورة يوسف : 12 / 31 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 49 . ( 3 ) سورة التوبة : 9 / 75 . ( 4 ) سورة الأحزاب : 33 / 31 .