تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
قلوبهم وعلى سمعهم ومجعولا على أبصارهم غشاوة ومخبرا عنهم أنهم لهم عذاب عظيم ، فهم قد اندرجوا في عموم الذين كفروا وزادوا أنهم قد ادعوا الإيمان وأكذبهم اللّه في دعواهم . وسيأتي شرح ذلك . وسأل سائل : ما معنى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ
؟ ومعلوم أن الذي يقول هو من الناس ، فكيف يصلح لهذا الجار والمجرور وقوعه خبرا للمبتدأ بعده ؟ فأجيب بأن هذا تفصيل معنوي لأنه تقدم ذكر المؤمنين ، ثم ذكر الكافرين ، ثم أعقب بذكر المنافقين ، فصار نظير التفصيل اللفظي في قوله : ومن الناس من يعجبك ، ومن الناس من يشري نفسه ، فهو في قوة تفصيل الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق ، كما فصلوا إلى من يعجبك قوله ، ومن يشري نفسه ، ومن : في قوله تعالى :
مَنْ يَقُولُ
نكرة موصوفة مرفوعة بالابتداء ، والخبر الجار والمجرور المتقدم الذكر . ويقول : صفة ، هذا اختيار أبي البقاء ، وجوز الزمخشري هذا الوجه . وكأنه قال : ومن الناس ناس يقولون كذا ، كقوله :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا
« 1 » قال : إن جعلت اللام للجنس يعني في قوله : ومن الناس ، قال : وإن جعلها للعهد فموصولة كقوله :
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ
« 2 » . واستضعف أبو البقاء أن تكون موصولة بمعنى الذي قال ، لأن الذي يتناول قوما بأعيانهم ، والمعنى هنا على الإبهام والتقدير ، ومن الناس فريق يقول : وما ذهب إليه الزمخشري من أن اللام في الناس ، إن كانت للجنس كانت من نكرة موصوفة ، وإن كانت للعهد كانت موصولة ، أمر لا تحقيق له ، كأنه أراد مناسبة الجنس للجنس والعهد للعهد ، ولا يلزم ذلك ، بل يجوز أن تكون اللام للجنس ومن موصولة ، ويجوز أن تكون للعهد ، ومن نكرة موصوفة فلا تلازم بين ما ذكره . وأما استضعاف أبي البقاء كون من موصولة وزعمه أن المعنى على الإبهام فغير مسلم ، بل المعنى أنها نزلت في ناس بأعيانهم معروفين ، وهم : عبد اللّه بن أبي بن سلول ، وأصحابه ، ومن وافقه من غير أصحابه ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر ، وقد وصفهم اللّه تعالى في ثلاث عشرة آية ، وذكر عنهم أقاويل معينة قالوها ، فلا يكون ذلك صادرا إلا من معين فأخبر عن ذلك المعين . والذي نختار أن تكون من موصولة ، وإنما اخترنا ذلك لأنه الراجح من حيث المعنى ومن حيث التركيب الفصيح . ألا ترى جعل من نكرة موصوفة إنما يكون ذلك إذا وقعت في مكان يختص بالنكرة في أكثر كلام العرب ، وهذا الكلام ليس
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 33 / 23 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 61 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 88 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل