والعجب من أبي البقاء كيف تنبه لشيء من هذا فمنع أن يكون يخادعون في موضع الصفة فقال : ولا يجوز أن يكون في موضع جر على الصفة لمؤمنين ، لأن ذلك يوجب نفي خداعهم ، والمعنى على إثبات الخداع ، انتهى كلامه . فأجاز ذلك في الحال ولم يجز ذلك في الصفة ، وهما سواء ، ولا فرق بين الحال والصفة في ذلك ، بل كل منهما قيد يتسلط النفي عليه ، واللّه تعالى هو العالم الذي لا يخفى عليه شيء . فمخادعة المنافقين اللّه هو من حيث الصورة لا من حيث المعنى من جهة تظاهرهم بالإيمان وهم مبطنون للكفر ، قاله جماعة ، أو من حيث عدم عرفانهم باللّه وصفاته فظنوا أنه ممن يصح خداعه . فالتقدير الأول مجاز والثاني حقيقة ، أو يكون على حذف مضاف ، أي يخادعون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والذين آمنوا ، فتارة يكون المحذوف مرادا وتارة لا يكون مرادا ، بل نزل مخادعتهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمنزلة مخادعة اللّه ، فجاء :
يُخادِعُونَ اللَّهَ
، وهذا الوجه قاله الحسن والزجاج .
وإذا صح نسبة مخادعتهم إلى اللّه تعالى بالأوجه التي ذكرناها ، كما ذكرناها ، فلا ضرورة تدعو إلى أن نذهب إلى أن اسم مقحم ، لأن المعنى يخادعون الذين آمنوا ، كما ذهب إليه الزمخشري ، وقال : يكون من باب : أعجبني زيد وكرمه ، المعنى هذا أعجبني كرم زيد ، وذكر زيد توطئة لذكر كرمه ، والنسبة إلى الإعجاب إلى كرمه هي المقصودة ، وجعل من ذلك واللّه ورسوله أحق أن يرضوه ، إن الذين يؤذون اللّه ورسوله وما ذكره في هذه المثل غير مسلّم له . وللآيتين الشريفتين محامل تأتي في مكانها ، إن شاء اللّه تعالى . وأما أعجبني زيد وكرمه ، فإن الإعجاب أسند إلى زيد بجملته ، ثم عطف عليه بعض صفاته تمييزا لصفة الكرم من سائر الصفات التي انطوى عليها لشرف هذه الصفة ، فصار من المعنى نظيرا لقوله تعالى :
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
« 1 » ، فلا يدعي كما ادعى الزمخشري أن الاسم مقحم ، وأنه ذكر توطئة لذكر الكرم . وخادع الذي مضارعه يخادع على وزن فاعل ، وفاعل يأتي لخمسة معان : لاقتسام الفاعلية ، والمفعولية في اللفظ ، والاشتراك فيهما من حيث المعنى ، ولموافقة أفعل المتعدي ، وموافقة المجرد للإغناء عن أفعل وعن المجرد . ومثل ذلك : ضارب زيدا عمر ، وباعدته ، وواريت الشيء ، وقاسيت .
وخادع هنا إما لموافقة الفعل المجرد فيكون بمعنى خدع ، وكأنه قال : يخدعون اللّه ، ويبينه قراءة ابن مسعود وأبي حياة ، وقد تقدمت . ويحتمل أن يكون خادع من باب المفاعلة ، فمخادعتهم تقدم تفسيرها ، ومخادعة اللّه لهم حيث أجرى عليهم أحكام المسلمين واكتفى
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 98 .