الموت . ففي ذلك ما كان عليه إبراهيم من الاهتمام بأمر الدين ، حتى وصى به من كان ملتبسا به ، إذ كان بنوه على دين الإسلام . ومنها اختصاصه ببنيه ، ولا يختصهم إلا بما فيه سلامة عاقبتهم . ومنها أنه عمم بنيه ، ولم يخص أحدا منهم ،
كما جاء في حديث النعمان بن بشير ، حين نحله أبوه شيئا ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتحب أن يكونوا لك في البر سواء ؟ » ورد نحله إياه وقال : لا أشهد على جور .
ومنها إطلاق الوصية ، ولم يقيدها بزمان ولامكان . ثم ختمها بأبلغ الزجر أن يموتوا غير مسلمين . ثم التوطئة لهذا النهي والزجر بأن اللّه تعالى هو الذي اختار لكم دين الإسلام ، فلا تخرجوا عما اختاره اللّه لكم . قال المؤرخون :
نقل إبراهيم ولده إسماعيل إلى مكة وهو رضيع ، وقيل : ابن سنتين . وقيل : ابن أربع عشرة سنة ، وولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة ، ومات وله مائة وثلاثون سنة . وكان لإسماعيل ، لما مات أبوه إبراهيم ، تسع وثمانون سنة . وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة ، ومات بالأرض المقدّسة ، ودفن عند أبيه إبراهيم . وكان بين وفاة أبيه إبراهيم ومولد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم نحو من ألفي سنة وستمائة سنة ، واليهود تنقص من ذلك نحوا من أربعمائة سنة .
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ
: نزلت في اليهود . قالوا : ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية ؟
قال الكلبي : لما دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيرين ، فجمع بنيه وخاف عليهم ذلك ، فقال لهم : ما تعبدون من بعدي ؟ فأنزل اللّه هذه الآية إعلاما لنبيه بما وصى به يعقوب ، وتكذيبا لليهود .
وأم هنا منقطعة ، تتضمن معنى بل وهمزة الاستفهام الدالة على الإنكار ، والتقدير : بل أكنتم شهداء ؟ فمعنى الإضراب : الانتقال من شيء إلى شيء ، لا أن ذلك إبطال لما قبله . ومعنى الاستفهام هنا :
التقريع والتوبيخ ، وهو في معنى النفي ، أي ما كنتم شهداء ، فكيف تنسبون إليه ما لا تعلمون ؟ ولا شهدتموه أنتم ولا أسلافكم . وقيل : أم هنا بمعنى : بل ، والمعنى بل كنتم ، أي كان أسلافكم ، أو تنزلهم منزلة أسلافهم ، إذ كان أسلافهم قد نقلوا ذلك إليهم ، وفي إثبات ذلك إنكار عليهم ما نسبوه إلى يعقوب من اليهودية . والخطاب في كنتم لمن كان بحضرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أحبار اليهود والنصارى ورؤسائهم . وقال ابن عطية : قال لهم على جهة التقرير والتوبيخ أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى ، فتدّعون عن علم ، أي لم تشهدوا . بل أنتم تفترون . وأم تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية .
انتهى ما ذكره . ولم أقف لأحد من النحويين على أن أم يستفهم بها في صدر الكلام . وأين ذلك ؟ وإذا صح النقل فلا مدفع فيه ولا مطعن . وحكى الطبري أن أم يستفهم بها في وسط