تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
فيتعدى باللام نحو قوله تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ *
« 1 » وفي تعديها لما بعدها بغير الحرف ونصبها له خلاف مذكور في النحو ، وإنما خالفت هذه الأمثلة التي للمبالغة أفعالها المتعدية بنفسها ، لأنها بما فيها من المبالغة أشبهت أفعل التفضيل ، وأفعل التفضيل حكمه هكذا . قال تعالى :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ
« 2 » ، وقال الشاعر : أعطى لفارهة حلو مراتعها وقال : أكر وأحمى للحقيقة منهم فإن جاء بعده ما ظاهره أنه منصوب به نحو قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ
« 3 » ، وقول الشاعر : وأضرب منا بالسيوف القوانسا أول بأنه معمول لفعل محذوف يدل عليه أفعل التفضيل .
شَيْءٍ
: قد تقدم اختلاف الناس في مدلول شيء . فمن أطلقه على الموجود والمعدوم كان تعلق العلم بهما من هذه الآية ظاهرا ، ومن خصه بالموجود فقط كان تعلق علمه تعالى بالمعدوم مستفادا من دليل آخر غير هذه الآية .
عَلِيمٌ
؛ قد ذكرنا أنه من أمثلة المبالغة ، وقد وصف تعالى نفسه بعالم وعليم وعلام ، وهذان للمبالغة . وقد أدخلت العرب الهاء لتأكيد المبالغة في علامة ، ولا يجوز وصفه به تعالى . والمبالغة بأحد أمرين : أما بالنسبة إلى تكرير وقوع الوصف سواء اتحد متعلقه أم تكثر ، وأما بالنسبة إلى تكثير المتعلق لا تكثير الوصف . ومن هذا الثاني المبالغة في صفات اللّه تعالى ، لأن علمه تعالى واحد لا تكثير فيه ، فلما تعلق علمه تعالى بالجميع كلية وجزئية دقيقة ، وجليلة معدومة وموجودة ، وصف نفسه تعالى بالصفة التي دلت على المبالغة ، وناسب مقطع هذه الآية بالوصف بمبالغة العلم ، لأنه تقدم ذكر خلق الأرض والسماء والتصرف في العالم العلوي والسفلي وغير ذلك من الإماتة والإحياء ، وكل ذلك يدل على صدور هذه الأشياء عن العلم الكامل التام المحيط بجميع الأشياء . وقال بعض الناس : العليم من كان علمه من ذاته ، والعالم من كان علمه متعديا من غيره ، وهذا ليس بجيد لأن اللّه تعالى قد وصف نفسه بالعالم ، ولم
هامش
( 1 ) سورة هود : 11 / 107 . ( 2 ) سورة الإسراء : 17 / 54 . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 117 .