وهو من المعاني التي جاء لها استفعل . وقد تقدم ذكرها عند قوله :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 1 » ، وهذا هنا من الحياء . وفي كلام الزمخشري ما يدل على أن استحيا ليس مغنيا عن المجرد بل هو موافق للمجرد ، وهو أحد المعاني أيضا الذي جاء لها استفعل . قال الزمخشري :
يقال حيي الرجل كما يقال : نسي وخشي وشظي الفرس ، إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعبر به عن الانكسار ، والتغير منكسر القوة منتقض الحياة ، كما قالوا : فلان هلك حياء من كذا ، ومات حياء ، ورأيت الهلال في وجهه من شدة الحياء ، وذاب حياء ، وجمد في مكانه خجلا ، انتهى كلامه . فظاهره أنه يقال : من الحياء حيي الرجل ، فيكون استحيا على ذلك موافقا للمجرد ، وعلى ما نقلناه قبل يكون مغنيا عن المجرد . وقرأ ابن كثير في رواية شبل ، وابن محيصن ، ويعقوب : يستحي بياء واحدة ، وهي لغة بني تميم ، يجرونها مجرى يستبي . قال الشاعر :
ألا تستحي منا ملوك وتتقي * محارمنا لا يبوء الدم بالدم
والماضي : استحى ، قال الشاعر :
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه * كرعن بست في إناء من الورد
واختلف النحاة في المحذوفة ، فقيل لام الكلمة ، فالوزن يستفع ، فنقلت حركة العين إلى الفاء وسكنت العين فصارت يستفع . وقيل المحذوف العين ، فالوزن يستيفل ثم نقلت حركة اللام إلى الفاء وسكنت اللام فصارت يستفل . وأكثر نصوص الأئمة على أن المحذوف هو العين .
وقد تكلمنا على هذه المسألة في ( كتاب التكميل لشرح التسهيل ) من تأليفنا ، وليس هذا الحذف مختصا بالماضي والمضارع ، بل يكون أيضا في سائر التصرفات ، كاسم الفاعل ، واسم المفعول ، وغير ذلك . وهذا الفعل مما نقلوا أنه يكون متعديا بنفسه ، ويكون متعديا بحرف جر ، يقال : استحييته واستحييت منه . فعلى هذا يحتمل
أَنْ يَضْرِبَ
أن يكون مفعولا به على أن يكون الفعل تعدى إليه بنفسه ، أو تعدى إليه على إسقاط حرف الجر . وفي ذلك الخلاف الذي ذكرناه في قوله تعالى :
أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ
« 2 » ، أذلك في موضع نصب بعد حذف حرف الجر أم في موضع جر ؟ .
واختلف المفسرون في معنى الاستحياء المنسوب إلى اللّه تعالى نفيه ، فقيل : المعنى
هامش
( 1 ) سورة الفاتحة 1 / 5 .
( 2 ) سورة البقرة : 2 / 25 .