تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
لا يترك ، فعبر بالحياء عن الترك ، قاله الزمخشري وغيره ، لأن الترك من ثمرات الحياء ، لأن الإنسان إذا استحيا من فعل شيء تركه ، فيكون من باب تسمية المسبب باسم السبب . وقيل : المعنى لا يخشى ، وسميت الخشية حياء لأنها من ثمراته ، ورجحه الطبري . وقد قيل في قوله تعالى :
وَتَخْشَى النَّاسَ
« 1 » ، أن معناه تستحيي من الناس . وقيل : المعنى لا يمتنع . وكل هذه الأقوال متقاربة من حيث المعنى ، يجوز أن يوصف اللّه تعالى بها ، وهذه التأويلات هي على مذهب من يرى التأويل في الأشياء التي موضوعها في اللغة لا ينبغي أن يوصف اللّه تعالى به ، وقيل : ينبغي أن تمر على ما جاءت ، ونؤمن بها ولا نتأولها ونكل علمها إليه تعالى ، لأن صفاته تعالى لا يطلع على ماهيتها الخلق . والذي عليه أكثر أهل العلم أن اللّه تعالى خاطبنا بلسان العرب ، وفيه الحقيقة والمجاز ، فما صح في العقل نسبته إليه نسبناه إليه ، وما استحال أوّلناه بما يليق به تعالى ، كما نؤول فيما ينسب إلى غيره مما لا يصح نسبته إليه ، والحياء بموضوع اللغة لا يصح نسبته إلى اللّه تعالى ، فلذلك أوله أهل العلم ، وقد جاء منسوبا إلى اللّه مثبتا فيما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن بردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا » ، وأول بأن هذا جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد من عطائه لكرمه بترك من ترك رد المحتاج إليه حياء منه ، وقد يجوز أيضا في الاستحياء ، فنسب إلى ما لا يصح منه بحال ، كالبيت الذي أنشدناه قبل وهو : إذا ما استحين الماء يعرض نفسه قال أبو التمام :
هو الليث ليث الغاب بأسا ونجدة * وإن كان أحيا منه وجها وأكرما
ويجوز أن يكون قوله تعالى :
لا يَسْتَحْيِي
على سبيل المقابلة ، لأنه روي أن الكفار قالوا : ما يستحيي رب محمد أن يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت ومجيء الشيء على سبيل المقابلة ، وإن لم يكن من جنس ما قوبل به ، شائع في لسان العرب ، ومنه :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
« 2 » ، وجاء ذكر الاستحياء منفيا عن اللّه تعالى ، وإن كان إثباته بموضوع اللغة لا يصح نسبته إلى اللّه تعالى ، فكل أمر مستحيل على اللّه تعالى إثباته ، يصح أن ينفى
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 33 / 37 . ( 2 ) سورة الشورى : 42 / 40 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 196 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل