تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
وقد أجمع المسلمون على أن لا خالق إلا اللّه تعالى ، وإذا كان بمعنى التقدير ، فمقتضى اللغة أنه قد يوصف به غير اللّه تعالى ، كبيت زهير . وقال تعالى :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
« 1 » ،
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ
« 2 » . وقال أبو عبد اللّه البصري ، أستاذ القاضي عبد الجبار : إطلاق اسم الخالق على اللّه تعالى محال ، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الفكر والظن والحسبان ، وذلك في حق اللّه تعالى محال . وكأنّ أبا عبد اللّه لم يعلم أن الخلق في اللغة يطلق على الإنشاء ، وكلام البصري مصادم لقوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ
« 3 » ، إذ زعم أنه لا يطلق اسم الخالق على اللّه ، وفي اللغة والقرآن والإجماع ما يرد عليه . وعطف قوله :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
على الضمير المنصوب في خلقكم ، والمعطوف متقدّم في الزمان على المعطوف عليه وبدأ به ، وإن كان متأخرا في الزمان ، لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ، إذ أقرب الأشياء إليه نفسه ، ولأنهم المواجهون بالأمر بالعبادة ، فتنبيههم أولا على أحوال أنفسهم آكد وأهم ، وبدأ أولا بصفة الخلق ، إذ كانت العرب مقرة بأن اللّه خالقها ، وهم المخاطبون ، والناس تبع لهم ، إذ نزل القرآن بلسانهم . وقرأ ابن السميفع : وخلق من قبلكم ، جعله من عطف الجمل . وقرأ زيد بن علي :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
بفتح ميم من ، قال الزمخشري : وهي قراءة مشكلة ووجهها على أشكالها أن يقال : أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيدا ، كما أقحم جرير في قوله : يا تيم تيم عدي لا أبا لكم تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه ، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في لا أبا لك ، انتهى كلامه . وهذا التخريج الذي خرج الزمخشري قراءة زيد عليه هو مذهب لبعض النحويين زعم أنك إذا أتيت بعد الموصول بموصول آخر في معناه مؤكد له ، لم يحتج الموصول الثاني إلى صلة ، نحو قوله :
من النفر اللائي الذين أذاهم * يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون : 23 / 14 . ( 2 ) سورة المائدة : 5 / 110 . ( 3 ) سورة الحشر : 59 / 24 .