تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
الاحتراز بل يوجب الاحتراز ، فكأنه قال : اعبدوه فتحترزوا عن عقابه ، فإن أطلق على نفس الفعل اتقاء فهو مجاز ، ومفعول يتقون محذوف . قال ابن عباس : الشرك ، وقال الضحاك : النار ، أو معناه تطيعون ، قاله مجاهد : ومن قال المعنى الذي خلقكم راجين للتقوى . قال بعض المفسرين : فيه بعد من حيث أنه لو خلقهم راجين للتقوى كانوا مطيعين مجبولين عليها ، والواقع خلاف ذلك ، انتهى كلامه . ويعني أنهم لو خلقوا وهم راجون للتقوى لكان ذلك مركوزا في جبلتهم ، فكان لا يقع منهم غير التقوى وهم ليسوا كذلك ، بل المعاصي هي الواقعة كثيرا ، وهذا ليس كما ذكر ، وقد يخلق الإنسان راجيا لشيء فلا يقع ما يرجوه ، لأن الإنسان في الحقيقة ليس له الخيار فيما يفعله أو يتركه ، بل نجد الإنسان يعتقد رجحان الترك في شيء ثم هو يفعله ، ولقد صدق الشاعر في قوله :
علمي بقبح المعاصي حين أركبها * يقضي بأني محمول على القدر
فلا يلزم من رجاء الإنسان لشيء وقوع ما يرتجي ، وإنما امتنع ذلك التقدير ، أعني تقدير الحال ، من حيث أن لعل للا يشاء ، فهي وما دخلت عليه ليست جملة خبرية فيصح وقوعها حالا . قال الطبري : هذه الآية ، يريد :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا
من أدلّ دليل على فساد قول من زعم أن تكليف ما لا يطاق غير جائز ، وذلك أن اللّه عزّ وجل أمر بعبادته من آمن به ومن كفر بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون . والموصول الثاني في قوله :
الَّذِي جَعَلَ
يجوز رفعه ونصبه ، فرفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، فهو رفع على القطع ، إذ هو صفة مدح ، قالوا : أو على أنه مبتدأ خبره قوله :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
، وهو ضعيف لوجهين : أحدهما : أن صلة الذي وما عطف عليها قد مضيا ، فلا يناسب دخول الفاء في الخبر . الثاني : أن ذلك لا يتمشى إلا على مذهب أبي الحسن ، لأن من الروابط عنده تكرار المبتدأ بمعناه ، فالذي مبتدأ ، و
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
جملة خبرية ، والرابط لفظ اللّه من للّه كأنه قيل :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
، وهذا من تكرار المبتدأ بمعناه . ولا نعرف إجازة ذلك إلا عن أبي الحسن . أجاز أن تقول : زيد قام أبو عمرو ، إذا كان أبو عمرو كنية لزيد ، ونص سيبويه على منع ذلك . وأما نصبه فيجوز أن يكون على القطع ، إذ هو وصف مدح ، كما ذكرنا ، ويجوز أن يكون وصفا لما كان له وصفا الذي خلقكم ، وهو ربكم ، قالوا : ويجوز نصبه على أن يكون نعتا لقوله :
الَّذِي خَلَقَكُمْ
، فيكون نعتا للنعت ونعت النعت مما يحيل تكرار النعوت . والذي نختاره أن النعت لا ينعت ، بل النعوت كلها