تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 6 إلى 8 ]

وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 7 ) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) الصالح الذي يصدّق رجاءه ويحقق أمله
وَهُوَ السَّمِيعُ
لما يقوله عباده
الْعَلِيمُ
بما يفعلونه ، فلا يفوته شيء ما ، وقال الزّجّاج : من للشرط ويرتفع بالابتداء وجواب الشرط فإنّ أجل اللّه لآت كقولك إن كان زيد في الدار فقد صدق الوعد . 6 -
وَمَنْ جاهَدَ
نفسه بالصبر على طاعة اللّه ، أو الشيطان بدفع وساوسه ، أو الكفار
فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
لأنّ منفعة ذلك ترجع إليها
إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
وعن طاعتهم ومجاهدتهم ، وإنما أمر ونهى رحمة لعباده . 7 -
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
أي الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ
أي أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام . 8 -
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
وصّى حكمه حكم أمر في معناه وتصرّفه ، يقال وصّيت زيدا بأن يفعل خيرا ، كما تقول أمرته بأن يفعل ، ومنه قوله تعالى « 1 »
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ
« 2 » أي وصّاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها ، وقولك : وصيت زيدا بعمرو معناه وصيته بتعهّد عمرو ومراعاته ونحو ذلك ، وكذلك معنى قوله ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وصيناه بإيتاء والديه حسنا ، أو بإيلاء والديه حسنا أي فعلا ذا حسن ، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه كقوله :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
« 3 » ويجوز أن يجعل حسنا من باب قولك زيدا بإضمار اضرب إذا رأيته متهيئا للضرب فتنصبه بإضمار أولهما ، أو افعل بهما حسنا « 4 » ، لأن التوصية بهما دالّة عليه وما بعده مطابق له ، كأنه قال قلنا أولهما معروفا ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه ، وعلى هذا التفسير إن وقف على بوالديه وابتدئ حسنا حسن الوقف ، وعلى التفسير الأول لا بدّ من إضمار القول ، معناه وقلنا
وَإِنْ جاهَداكَ
أيها الإنسان
لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
أي لا علم لك بإلهيته ، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم ، كأنه قال لتشرك
هامش
( 1 ) ليس في ( ظ ) و ( ز ) تعالى . ( 2 ) البقرة ، 2 / 132 . ( 3 ) البقرة ، 2 / 83 . ( 4 ) ليس في ( ظ ) و ( ز ) حسنا .