تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 51 إلى 53 ]

وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) يعرفون عدد المطر ومقداره في كلّ عام لأنه لا يختلف ، ولكن يختلف فيه البلاد ، وينتزع من هنا جواب في تنكير البلدة والأنعام والأناسي ومن نسب الأمطار إلى الأنواء وجحد أن تكون هي والأنواء من خلق اللّه تعالى كفر وإن رأى أنّ اللّه تعالى خالقها ، وقد نصب الأنواء أمارات ودلالات عليها لم يكفر . 51 - 52 -
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً . فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
أي لو شئنا لخفّفنا عنك أعباء نذارة جميع القرى ولبعثنا في كلّ قرية نبيا ينذرها ، ولكن شئنا أن نجمع لك فضائل جميع المرسلين بالرسالة إلى كافة العالمين ، فقصرنا الأمر عليك وعظّمناك به ، فتكون وحدك ككلّهم ، ولذا خوطب بالجمع :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ
« 1 » فقابل ذلك بالشكر « 2 » والتشدد والتصبر ولا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم ، وكما آثرتك على جميع الأنبياء فآثر رضاي على جميع الأهواء ، وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم
وَجاهِدْهُمْ بِهِ
أي باللّه ، يعني بعونه وتوفيقه ، أو بالقرآن أي جادلهم به وقرّعهم بالعجز عنه
جِهاداً كَبِيراً
عظيما موقعه عند اللّه لما يحتمل فيه من المشاق ، ويجوز أن يرجع الضمير في به إلى ما دلّ عليه ولو شئنا لبعثنا في كلّ قرية نذيرا من كونه نذير كافة القرى ، لأنه لو بعث في كلّ قرية نذيرا لوجب على كلّ نذير مجاهدة قريته ، فاجتمعت على رسول اللّه تلك المجاهدات فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم ، فقال له وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهادا كبيرا جامعا لكلّ مجاهدة . 53 -
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
خلّاهما متجاورين متلاصقين ، تقول مرجت الدابة إذا خلّيتها ترعى ، وسمّى الماءين الكثيرين الواسعين بحرين
هذا
أي أحدهما
عَذْبٌ فُراتٌ
صفة لعذب ، أي شديد العذوبة حتى يقرب إلى الحلاوة
وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
صفة لملح ، أي شديد الملوحة
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
حائلا من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ، فهما في الظاهر مختلطان ، وفي الحقيقة منفصلان
وَحِجْراً
هامش
( 1 ) المؤمنون ، 23 / 51 . ( 2 ) في ( ظ ) بالشكر والتشدد والصبر ، وفي ( ز ) بالشكر والصبر والتشدد .