تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 44 إلى 46 ]

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 44 ) أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) 44 -
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
أم منقطعة ، معناه بل أتحسب كأنّ هذه المذمة أشدّ من التي تقدّمتها حتى حقّت بالإضراب عنها إليها ؟ وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول ، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذنا ، ولا إلى تدبّره عقلا ، ومشبّهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة ، فقد ركبهم الشيطان بالاستذلال لتركهم الاستدلال ، ثم هم أرجح ضلالة منها ، لأنّ الأنعام تسبّح ربّها وتسجد له وتطيع من يعلفها ، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرّها ، وتهتدي لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء لا ينقادون لربّهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوّهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتّقون العقاب الذي هو أشدّ المضارّ والمهالك ، ولا يهتدون للحقّ الذي هو المشرع الهنيّ والعذب الرّويّ ، فقالوا للملائكة روح وعقل وللبهائم نفس وهوى ، والآدمي مجمع الكلّ ابتلاء ، فإن غلبته النفس والهوى فضلته الأنعام ، وإن غلبته الروح والعقل فضل الملائكة الكرام ، وإنما ذكر الأكثر لأنّ فيهم من لم يصدّه عن الإسلام إلا حبّ الرئاسة وكفى به داء عضالا ، ولأنّ فيهم من آمن . 45 -
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ
ألم تنظر إلى ربّك وقدرته
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
أي بسطه فعمّ الأرض ، وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس في قول الجمهور لأنه ظلّ ممدود لا شمس معه ولا ظلمة ، وهو كما قال في ظلّ الجنة
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
« 1 » إذ لا شمس معه ولا ظلمة
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
أي دائما لا يزول ولا تذهبه الشمس
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ
على الظلّ
دَلِيلًا
لأنه بالشمس يعرف الظلّ ، ولولا الشمس لما عرف الظلّ ، فالأشياء تعرف بأضدادها . 46 -
ثُمَّ قَبَضْناهُ
أي أخذنا ذلك الظلّ الممدود
إِلَيْنا
إلى حيث أردنا
قَبْضاً يَسِيراً
سهلا غير عسير ، أو قليلا قليلا ، أي جزءا فجزءا بالشمس التي تأتي عليه ، وجاء بثم لتفاضل ما بين الأمور ، فكأن الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم
هامش
( 1 ) الواقعة ، 56 / 30 .