تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 28 ]

لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ( 28 )
زر من هويت وإن شطّت بك الدار * وحال من دونه حجب وأستار
لا يمنعنّك بعد عن زيارته * إنّ المحبّ لمن يهواه زوّار
28 - واللام في
لِيَشْهَدُوا
ليحضروا متعلق بأذّن أو بيأتوك
مَنافِعَ لَهُمْ
نكّرها لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية « 1 » لا توجد في غيرها من العبادة ، وهذا لأنّ العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم أو بالمال كالزكاة ، وقد اشتمل الحجّ عليهما مع ما فيه من تحمّل الأثقال ، وركوب الأهوال ، وخلع الأسباب « 2 » ، وقطيعة الأصحاب ، وهجرة البلاد والأوطان ، وفرقة الأولاد والخلان ، والتنبيه على ما يستمرّ عليه إذا انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، فالحاجّ إذا دخل البادية لا يتكل فيها إلا على عتاده ، ولا يأكل إلا من زاده ، فكذا المرء إذا خرج من شاطئ الحياة وركب بحر الوفاء ، لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده ، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده ، وغسل من يحرم ، وتأهبه ، ولبسه غير المخيط ، وتطيبه ، مرآة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله ، وتجهيزه مطيبا بالحنوط ، ملففا في كفن غير مخيط ، ثم المحرم يكون أشعث حيران ، فكذا يوم الحشر يخرج من القبر لهفان ، ووقوف الحجيج بعرفات آملين رغبا ورهبا ، سائلين خوفا وطمعا ، وهم من بين مقبول ومخذول ، كموقف العرصات « 3 » لا تكلّم نفس إلّا بإذنه ، فمنهم شقي وسعيد ، والإفاضة إلى المزدلفة بالمساء هو السوق لفصل القضاء ، ومنى هو موقف المنى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين ، وحلق الرأس والتنظيف ، كالخروج من السيئات بالرحمة والتخفيف ، والبيت الحرام الذي من دخله كان آمنا من الإيذاء والقتال ، أنموذج لدار السلام التي هي من نزلها بقي سالما من الفناء والزوال ، غير أنّ الجنة حفّت بمكاره النفس العادية ، كما أنّ الكعبة حفّت بمتالف البادية ، فمرحبا بمن جاوز مهالك البوادي ، شوقا إلى اللقاء يوم التنادي
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
عند الذبح
فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ
هي عشر ذي الحجة عند أبي حنيفة رحمه اللّه ، وآخرها يوم النحر ، وهو قول ابن عباس رضي اللّه عنهما وأكثر المفسرين رحمهم اللّه ، وعند صاحبيه هي
هامش
( 1 ) زاد في ( ز ) ودنيوية . ( 2 ) خلع الأسباب : خيار المال ( انظر القاموس 3 / 19 ) . ( 3 ) العرصات : جمع عرصة وهي كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء .
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 151 | عبد الله بن أحمد النسفي