تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
جمع صائم وزائر ، واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية إذ لو كانت النساء داخلة في قوم لم يقل ولا نساء وحقق ذلك زهير « 1 » في قوله :
وما أدري ولست أخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء
وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور والإناث فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين ، ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالهنّ ، وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين : أن يراد لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ، وأن يقصد إفادة الشّياع ، وإن يصير كلّ جماعة منهم منهية عن السخرية ، وإنما لم يقل رجل من رجل ولا امرأة من امرأة على التوحيد إعلاما بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية ، واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه ، وقوله : عسى أن يكونوا خيرا منهم . كلام مستأنف ورد مورد جواب المستخبر عن علة النهي وإلا فقد كان حقّه أن يوصل بما قبله بالفاء ، والمعنى وجوب أن يعتقد كلّ واحد أنّ المسخور منه ربما كان عند اللّه خيرا من الساخر إذ لا اطلاع للناس إلا على الظواهر ولا علم لهم بالسرائر ، والذي يزن عند اللّه خلوص الضمائر ، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رثّ الحال ، أو ذا عاهة في بدنه ، أو غير لبق « 2 » في محادثته ، فلعله أخلص ضميرا وأتقى قلبا ممن هو على ضدّ صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقّره اللّه تعالى ، وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه : البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
ولا تطعنوا أهل دينكم ، واللمز : الطعن والضرب باللسان ، ولا تلمزوا يعقوب وسهل ، والمؤمنون كنفس واحدة فإذا عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه ، وقيل معناه لا تفعلوا ما تلمزون به لأنّ من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
التنابز بالألقاب التداعي بها ، والنبز لقب السّوء ، والتلقيب المنهي عنه هو ما يتداخل المدعوّ به كراهة لكونه تقصيرا به وذما له ، فأما ما يحبه فلا بأس به . وروي أنّ قوما من بني تميم استهزءوا ببلال وخباب وعمار وصهيب فنزلت . وعن عائشة رضي اللّه عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة وكانت قصيرة ، وعن أنس رضي اللّه عنه عيّرت نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم أم سلمة بالقصر ، وروي أنها نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر فكانوا يوسعون له في مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليسمع فأتى يوما وهو يقول تفسحوا
هامش
( 1 ) زهير : هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني ، من مضر حكيم الشعراء في الجاهلية وفضله البعض على شعراء العرب كافة توفي عام 13 ق . ه ( الأعلام 3 / 52 ) . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) لبيق .