وأما من قال : إنه يحرم إلا في المرض فلأجل إباحة النبي صلّى اللّه عليه وسلم لهما استعماله عند الحكّة .
وأما من قال : إنه محرم إلا في الغزو فلأجل ما ورد في بعض طرق أنس أنه رخّص للزبير وعبد الرحمن في قمص الحرير في غزاة لهما ، فذكر لفظ الغزو في العلة ، وذكر الصفة في الحكم تعليل ، حسبما بيناه في أصول الفقه ومسائل الخلاف وهاهنا كما سبق .
وأما من قال : إنه مباح بكل حال فإنه رأى الحديث الصحيح يبيحه للحكة ، وفي بعض ألفاظ الصحيح « 1 » لأجل القمل ، ولو كان حراما ما أباحه للحكة ولا للقمل ، كالخمر والبول ، فإن التداوي بما حرّم اللّه لا يجوز .
وهذا ضعيف ، فإن التحريم قد ثبت يقينا ، والرخصة قد وردت حقّا ، وللبارئ سبحانه وتعالى أن يضع وظائف التحريم كيف شاء من إطلاق واستثناء ، وإنما أذن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك لهما لأجل القمل والحكّة ، لأنهم كانت عندهم خمائص « 2 » غليظة لا يحتملها البدن ، فنقلهم إلى الحرير ، لعدم دقيق القطن والكتان ، وإذا وجد صاحب الجرب « 3 » والقمل دقيق الكتان والقطن لم يجز أن يأخذ ليّن الحرير .
وأما من قال : إنه محرم بكل حال إلا العلم ، فلما في الصحيح من إباحة العلم ، وتقديره بإصبعين . وفي رواية بثلاث أو أربع ، واليقين « 4 » ثلاث أصابع ، وهو الذي رآه مالك في أشهر قوليه ، والأربع مشكوك فيه ، وقد يجوز أن يكفّ الثوب بالحرير كما يجوز إدخال العلم فيه ، لما روى الترمذي وغيره أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم كانت له فروة مكفوفة بالدّيباج .
وفي صحيح مسلم « 5 » ، عن عبد اللّه مولى أسماء ، قال : أخرجت إلىّ أسماء طيالسة « 6 » كسروانية « 7 » ، لها لبنة « 8 » ديباج ، وفرجاها مكفوفان « 9 » بالديباج ، فقالت : هذه كانت عند
هامش
( 1 ) في ش : الحديث .
( 2 ) الخميصة : كساء أسود مربع له علمان ( القاموس ) .
( 3 ) في ش : الحكة .
( 4 ) في ش : والتعيين .
( 5 ) صفحة 1641 .
( 6 ) في مسلم : جبة طيالسة . والطيالسة جمع طيلسان .
( 7 ) كسروانية : نسبة إلى كسرى ملك فارس .
( 8 ) لبنة - بكسر اللام وإسكان الباء : رقعة في جيب القميص .
( 9 ) مكفوفان : لها كفة ، وهي ما يكف به جوانبها .