السابع - علم أنّ محمدا عبده ولم يسأله إياه ليفضل به .
المسألة الثالثة - في التنقيح لمناط الأقوال :
أما قول من قال : إنه سأل ذلك معجزة فليس في ذلك تخصيص بفائدة ، لأنّ من شأن المعجزة أن تكون هكذا .
وأما من قال : معناه لا تسلبه عنى ، فإنما أراد ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يدّعيه باطلا ، إذ كان الشيطان قد أخذ خاتمة وجلس مجلسه ، وحكم في الخلق على لسانه ، حسبما روى في كتب المفسرين . وهو قول باطل قطعا ، لأن الشيطان لا يتصوّر بصورة الأنبياء ، ولا يحكمون في الخلق بصورة الحق ، مكشوفا إلى الناس ، بمرأى منهم ، حتى يظنّ الناس أنهم مع نبيهم في حقّ ، وهم مع الشيطان في باطل ، ولو شاء ربك لوهب من المعرفة والدين لمن قال هذا القول ما يزعه عن ذكره ، ويمنعه من أن يخلده في ديوان من بعده ، حتى يضلّ به غيره .
وأما من قال : إن معناه لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك فإن ذلك إنما كان يصحّ لو جاء بقوله :
لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
في سبعة الاستئناف للقول والابتداء بالكلام .
وأما وقد جاء مجيء الجملة الحالة محل الصفة لما سبق قبلها من القول فلا يجوز تفسير بهذه لتناقض المعنى فيه وخروج ذلك عن القانون العربي .
وأما من قال : إن معناه لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك دون الأنبياء فهذا قول قليل الفائدة جدا ، إذ قد علم قطعا ويقينا - هو والخلق كلهم معه - أن الملوك لا سبيل لهم إلى ذلك ، لا بالسؤال ، ولا مع ابتداء العطاء ، وهو مع ما بعده أمثل من غيره مما يستحيل وقوعه .
وأما من قال : إنه علم أن عيسى عليه السلام على درجة من الزهد ، وأنّ محمدا عبد لا ملك ، فأراد أنّ سليمان علم أنّ أحدا من الأنبياء بعده لا يؤتى ذلك ، وأن محمدا مع فضله لا يسأله ، لأنه نبي عبد ، وليس بنبي ملك ، فحينئذ أقدم على السؤال ، وهو قول متماثل ،