تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1137

مساهمون:

ص١١٣٧
حتى يطمح ببصره إلى زخارف الدنيا ، وعنده معارف المولى ، حيي بالباقي ، فغنى عن الفاني . وقد روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : حبّب إلىّ من دنياكم ثلاث : الطيب ، والنساء ، وجعلت قرّة عيني في الصلاة . فكان يتشاغل بالنساء جبلّة الآدمية وتشوّف الخلقة الإنسانية ، ويحافظ على الطّيب منفعة خاصية وعامية ، ولا يقرّ له عين إلا في الصلاة لدى مناجاة المولى ، ويرى أن مناجاة المولى أجدر من ذلك وأولى . وقد بيّنا تحقيق ذلك في شرح الحديث ، ولم يكن في دين محمد صلى اللّه عليه وسلم الرهبانية والإقبال على الأعمال الصالحة بالكلّية ، كما كان في دين عيسى ، وإنما شرع اللّه له ولنا بحكمته حنيفية سمحة خالصة عن الحرج خفيفة عن الإصر ، نأخذ من الآدمية وشهواتها بحظّ وافر ، ونرجع إلى اللّه بقلب سليم ، إن شغل بدنه باللذات عكف قلبه على المعارف ، ورأى اليوم علماء القراء والمخلصون من الفضلاء أنّ الانكفاف عن اللذات ، والخلوص لرب السماوات اليوم أولى ، لما غلب على الدنيا من الحرام ، واضطر إليه العبد في المعاش من مخالطة من لا تجوز مخالطته ، ومصانعة من تحرم مصانعته ، وحماية الدنيا بالدين ، وصيانة المال بتبدل الطاعة بدلا عنه ، فكانت العزلة أفضل ، والفرار عن الناس أصوب للعبد وأعدل ، حسبما تقدم به « 1 » الوعد الذي لا خلف له من الصادق ، يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف « 2 » الجبال ، ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن . فإن قيل : ففي هذا الحديث الذي ذكرتم - وهي : المسألة السادسة - أنه قال صلى اللّه عليه وسلم في الفاتحة : هي السبع المثاني ، والقرآن العظيم الذي أوتيته ، فتكون الفاتحة هي القرآن العظيم . قلنا : المراد بالمثاني القرآن كلّه ، فالمعنى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني مما ثنّى بعض آية بعضا ، ويكون بالمثاني جمع مثناة ، وتكون آي القرآن موصوفة بذلك ، لأن بعضها تلا بعضا بفصول بينها ، فيعرف انقضاء الآية وابتداء الآية التي بعدها ، وذلك قوله تعالى « 3 » :
كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
. ويحتمل أن يكون « مثاني » ، لأنّ المعاني كررت فيه والقصص .
هامش
( 1 ) في ا : تقدمه . ( 2 ) شعف الجبال : رءوسها . ( 3 ) سورة الزمر ، آية 23 .
أحكام القرآن — صفحة 1137 | ابن العربي / علي محمد البجاوي / علي محمد البجاوي