وقال علماؤنا : يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المرء « 1 » من خوفه العنت ، وعدم صبره ، ومن قوته على الصّبر ، وزوال خشية العنت عنه .
وإذا خاف الهلاك في الدّين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم .
وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة ، فقال الشافعي : النكاح مباح . وقال أبو حنيفة ومالك : هو مستحبّ .
وتعلّق الشافعىّ بأنه قضاء لذّة ، فكان مباحا كالأكل والشرب .
وتعلق علماؤنا في ذلك بأحاديث كثيرة ، ولا فائدة في التعلق بغير الصحيح . وفي ذلك حديثان صحيحان :
الأول -
قال أنس بن مالك : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم يسألون عن عبادة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فلما أخبروها كأنهم تقالّوها « 2 » ، فقالوا : وأين نحن من النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . قال أحدهم :
أما أنا فأصلّى الليل أبدا . وقال الآخر : أنا أصوم الدهر ، ولا أفطر . وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا . فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما واللّه إني لأخشاكم للّه ، وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأصلى وأرقد ، وأتزوّج النساء ، من يرغب عن سنّتى فليس منى .
الثاني - قال عروة : سألت عائشة عن قوله « 3 » :
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
- إلى قوله -
أَلَّا تَعُولُوا
. قالت : يا ابن أختي ، هي اليتيمة تكون في حجر وليها ، فيرغب في مالها وجمالها ، يريد أن يتزوّجها بأدنى من سنة صداقها ، فنهوا أن ينكحوهنّ إلّا أن يقسطوا لهنّ فيكملوا الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهنّ من النساء .
المسألة الرابعة - قوله :
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
.
وفيها قولان :
هامش
( 1 ) في القرطبي : باختلاف حال المؤمن .
( 2 ) تقالوها : استقلوها ( النهاية ) .
( 3 ) سورة النساء ، آية 3 .