فأما قول ابن عبّاس وابن عمر فلو صحّ عنهما لكان حجة ، لشرف الصحبة والإحاطة باللغة .
وأما قول قتادة إنه حلق الرأس فمن قول مالك .
وأما قول مجاهد إنه رمى الجمار فمن قول ابن عمرو ابن عباس ، ثم تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قد قال : إنه قصّ الأظفار ، وأخذ الشارب ، وكلّ ما يحرم على المحرم ، إلا النكاح ، ولم يجيء فيه بشعر يحتجّ به .
وقال صاحب العين : التّفث هو الرّمى ، والحلق ، والتقصير ، والذبح ، وقصّ الأظفار والشارب ، ونتف الإبط .
وذكر الزجاج « 1 » والفراء نحوه ، ولا أراه أخذه إلا من قول العلماء .
وقال قطرب : تفث الرجل إذا كثر وسخه ، وقال أمية بن أبي الصلت « 2 » :
حفّوا رؤوسهم لم يحلقوا « 3 » تفثا * ولم يسلّوا لهم قملا وصئبانا
وإذا انتهيتم إلى هذا المقام ظهر إليكم أنّ ما ذكر أشار إليه أمية بن أبي الصلت ، وما ذكره قطرب هو الذي قاله مالك ، وهو الصحيح في المتّفث ، وهذه صورة قضاء التفث لغة .
وأما حقيقته الشرعية فإذا نحر الحاجّ أو المعتمر هديه ، وحلق رأسه ، وأزال وسخه ، وتطهّر وتنقّى ، ولبس الثياب ، فيقضى تفثه « 4 » .
وأما وفاء نذره ، وهي :
المسألة الثانية - فإنّ النذر كل ما لزم الإنسان أو التزمه .
وقال مالك في رواية ابن وهب وابن القاسم وابن بكير : إنه رمى الجمار ، لأن النذر هو العقل ، فهو رمى الجمار ، لأجل النذر ، يعنى بالعقل الدية .
والأول أقوى ، لأنه يلزم الوفاء برمي الجمار ، وبنحر الهدى ، ويجتنب الوطء والطيب ، حتى تقع الزيارة .
هامش
( 1 ) في اللسان : قال الزجاج : لا يعرف أهل اللغة التفث إلا من التفسير .
( 2 ) ديوان أمية : 62 .
( 3 ) في الديوان : لم ينزعوا تفثا .
( 4 ) في القرطبي : فقد أزال تفثه ووفى نذره .