تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1265

مساهمون:

ص١٢٦٥
والأول أصح : لأنّه عدده على نفسه فدلّ على أنه خرج مخرج التعريض ، وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتّخذونهم آلهة دون اللّه ، وهم كما قال إبراهيم لأبيه : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا ؟ فقال إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا ، ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا يفعلون ولا ينفعون ولا يضرّون ، فيقول لهم : فلم تعبدون ؟ فتقوم الحجة عليهم منهم . ولهذا يجوز « 1 » عند الأئمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه ، فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة ، كما قال لقومه : هذا ربي ، على معنى الحجة عليهم ، حتى إذا أقل منهم تبيّن حدوثه ، واستحالة كونه إلها . المسألة الثالثة - قوله : هذا ربّى ، وهذه أختي ، وإني سقيم ، وبل فعله كبيرهم : هذه وإن كانت معاريض وحسنات ، وحججا في الحق ، ودلالات ، ولكنها أثرت في الرتبة ، وخفضت عن محمد من المنزلة ، واستحيا منها قائلها على ما ورد في حديث الشفاعة ، لأن الذي كان يليق بمرتبته في النبوّة والخلة أن يصدع بالحق ، ويصرّح بالأمر فيكون ما كان ، ولكنه رخّص له فقيل الرخصة ، فكان ما كان من القصة ، ولهذا جاء في حديث الشفاعة « 2 » : إنما اتّخذت خليلا من وراء وراء ، يعنى بشرط أن تتبع عثراتي ، وتختبر أحوالي ، والخلة المطلقة لمحمد ، لأنه قال « 3 » له :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
، ولذلك تقول العرب في أمثالها : ابغني من ورائي ، أي اختبر حالي . المسألة الرابعة - في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر ، وهي أنه قال رسول اللّه : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ، ثنتين منها ما حل بهما عن دين اللّه ، وهي قوله : إني سقيم ، وبل فعله كبيرهم هذا ، ولم يعدّ قوله : هذه أختي في ذات اللّه ، وإن كان دفع بها مكروها ، ولكنه لما كان لإبراهيم فيها حظّ من صيانة فراشه ، وحماية أهله ، لم يجعل في جنب اللّه ذلك ، لأنه لا يجعل في ذات اللّه إلا العمل الخالص من شوائب الحظوظ الدنياوية ، أو المعاني « 4 » التي ترجع إلى النفس ، حتى إذا خلصت للمدين كانت للّه ، كما قال « 5 » :
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ
. وهذا لو صدر منا لكان للّه ، ولكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) في ا : لا يجوز ، وهو تحريف صوابه من القرطبي . ( 2 ) صحيح مسلم : 187 . ( 3 ) سورة الفتح ، آية 2 . ( 4 ) في القرطبي : أو المعاريض . ( 5 ) سورة الزمر ، آية 3 .
أحكام القرآن — صفحة 1265 | ابن العربي / علي محمد البجاوي / علي محمد البجاوي