تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1171

مساهمون:

ص١١٧١
الخلق فيها ، فقد كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يتعبّد بغار حراء ، ويمكث فيه الليالي ذوات العدد ، ويتزوّد لذلك ، ثم يرجع إلى أهله وقد خرج مهاجرا إلى ربّه ، هاربا من قومه ، فارّا بدينه من الفتن مع أصحابه ، واستحصن بغار ثور ، وأقام فيه ثلاث ليال مع الصدّيق صاحبه ، ثم أمضى هجرته ، وأنفذ عزمته حتى انتهى إلى دار هجرته . وقد قيل : أراد به السهل والجبال ، ولكنه حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه ، كما قال الشاعر :
وما أدرى إذا يمّمت أرضا * أريد الخير أيهما يليني
أالخير الذي أنا مبتغيه * أم الشرّ الذي هو يبتغينى
وكما قال في الحر بعد هذا :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
، أراد والبرد ، فحذف ، لأن ما بقي أحدهما بقي الآخر . المسألة الثالثة - قوله :
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
. والسّربال : كلّ ما ستر باللباس من ثوب من صوف أو وبر أو شعر أو قطن أو كتان . وهذه نعمة أنعم اللّه بها على الآدمي ، فإنه خلقه عاريا ، ثم جعله بنعمته بعد ذلك كاسيا ، وسائر الحيوانات سرابيلها جلودها أو ما يكون من صوف أو شعر أو وبر عليها ، فشرّف الآدمي بأن كسى من أجزاء سواه . المسألة الرابعة - قوله تعالى :
وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ
يعنى دروع الحرب ، منّ اللّه بها على العباد عدّة للجهاد ، وعونا على الأعداء ، وعلّمها ، كما علم صنعة غيرها ، ولبسها النبىّ صلى اللّه عليه وسلم حين ظاهر يوم أحد بين درعين ، تقاة الجراحة ، وإن كان يطلب الشهادة ، كما يعدّ السيف والرمح والسهم للقتل بها لغيره ، والمدافعة بها عن نفسه ، ثم ينفذ اللّه ما شاء من حكمه ، وليس على العبد أن يطلب الشهادة بأن يستقتل مع الأعداء ، ولا بأن يستسلم للحتوف ، ولكنه يقاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا ، ويأخذ حذره ، ويسأل اللّه الشهادة خالصا من قلبه ، ويعطيه اللّه بعد ما سبق في علمه ، وهذا معنى قوله :