تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
لأن
مَثْنى
بمنزلة قولك اثنين اثنين ، وقال قتادة : إن أنواع الملائكة هي هكذا منها ما له جناحان ، ومنها ما له ثلاثة ، ومنها ما له أربعة ، ويشذ منها ما له أكثر من ذلك ، وروي أن لجبريل ستمائة جناح منها اثنان تبلغ من المشرق إلى المغرب ، وقالت فرقة المعنى أن في كل جانب من الملك جناحين ، ولبعضهم ثلاثة في كل جانب ، ولبعضهم أربعة ، وإلا فلو كانت ثلاثة لكل واحد لما اعتدلت في معتاد ما رأيناه نحن من الأجنحة ، وقيل بل هي ثلاثة لكل واحد كالحوت واللّه أعلم بذلك ، وقوله تعالى :
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب عند الخبر بالملائكة أولي الأجنحة ، أي ليس هذا يبدع في قدرة اللّه تعالى فإنه يزيد في خلقه ما يشاء ، وروي عن الحسن وابن شهاب أنهما قالا المزيد هو حسن الصوت قال الهيثم الفارسي : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم فقال لي : أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك اللّه خيرا ، وقيل الزيادة الخط الحسن ، وقال النبي عليه السلام : « الخط الحسن يزيد الحق وضوحا » ، وقال قتادة الزيادة ملاحة العينين . قال القاضي أبو محمد : وقيل غير هذا وهذه الإشارة إنما ذكرها من ذكرها على جهة المثال لا أن المقصود هي فقط ، وإنما مثل بأشياء هي زيادات خارجة عن الغالب الموجود كثيرا وباقي الآية بين ، وقوله
ما يَفْتَحِ اللَّهُ
ما
شرط ، و
يَفْتَحِ
جزم بالشرط ، وقوله
مِنْ رَحْمَةٍ
عام في كل خير يعطيه اللّه تعالى للعباد جماعتهم وأفذاذهم ، وقوله
مِنْ بَعْدِهِ
فيه حذف مضاف أي من بعد إمساكه ، ومن هذه الآية سمت الصوفية ما تعطاه من الأموال والمطاعم وغير ذلك الفتوحات ، ومنها كان أبو هريرة يقول مطرنا بنوء الفتح ، وقرأ الآية ، وقوله
يا أَيُّهَا النَّاسُ
خطاب لقريش وهو متجه لكل كافر ، ولا سيما لعباد غير اللّه ، وذكرهم تعالى بنعمة اللّه عليهم في خلقهم وإيجادهم ، ثم استفهمهم على جهة التقرير والتوقيف بقوله
هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
أي فليس إله إلا الخالق لا ما تعبدون أنتم من الأصنام ، وقرأ حمزة والكسائي « غير » بالخفض نعتا على اللفظ وخبر الابتداء
يَرْزُقُكُمْ
وهي قراءة أبي جعفر وشقيق وابن وثاب ، وقرأ الباقون غير نافع بالرفع ، وهي قراءة شيبة بن نصاح وعيسى والحسن بن أبي الحسن ، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها النعت على الموضع والخبر مضمر تقديره في الوجود أو في العالم وأن يكون « غير » خبر الابتداء الذي هو في المجرور والرفع على الاستثناء ، كأنه قال هل خالق إلا اللّه ، فجرت « غير » مجرى الفاعل بعد
إِلَّا
، وقوله
مِنَ السَّماءِ
يريد بالمطر ومن
الْأَرْضِ
يريد بالنبات ، وقوله
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
معناه فلأي وجه تصرفون عن الحق ، ثم سلى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بما سلف من حال الرسل مع الأمم ، و
الْأُمُورُ
تعم جميع الموجودات المخلوقات إلى اللّه مصير جميع ذلك على اختلاف أحوالها ، وفي هذا وعيد للكفار ووعد للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم وعظ عزّ وجل جميع العالم وحذرهم غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها الشاغلة عن المعاد الذي له يقول الإنسان :
يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي
[ الفجر : 24 ] ولا ينفعه ليت يومئذ ، وحذر غرور الشيطان ، وقوله
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
عبارة عن جميع خبره عزّ وجل في خير وتنعم أو عذاب أو عقاب ، وقرأ جمهور الناس « الغرور » بفتح الغين وهو الشيطان قاله ابن عباس ، وقرأ سماك العبدي وأبو حيوة « الغرور » بضم الغين وذلك يحتمل أن يكون جمع غار كجالس وجلوس ، ويحتمل أن يكون جمع غر وهو مصدر غره يغره غرا ، ويحتمل أن يكون مصدرا وإن كان شاذا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 429 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى