شيء ، وقوله تعالى :
لا تَحْمِلُ
يجوز أن يريد من الحمل أي لا تستقل ولا تنظر في ادخار ، وقاله ابن مجلز ومجاهد وعلي بن الأقمر .
قال الفقيه الإمام القاضي : والادخار ليس من خلق الموقنين ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لابن عمر : « كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة بضعف اليقين » ، ويجوز أن يريد من الحمالة أي لا تتكفل لنفسها ولا تروي فيه ، ثم خاطبه تعالى بأمر الكفار وإقامة الحجة عليهم بأنهم إن سئلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة لم يكن لهم إلا التسليم بأنها للّه تعالى ، و
يُؤْفَكُونَ
معناه يصرفون ، ونبه تعالى على خلق السماوات وخلق الأرض وتسخير الكواكب وذكر عظمها فاقتضى ذلك ما دونه ، ثم نبه على « بسط الرزق » وقدره لقوم ، وإنزال المطر من السماء ، وهذه عبر كفيلة لمن تأمل بالنجاة والمعتقد الأقوم ، ثم أمر تعالى نبيه بحمده على جهة التوبيخ لعقولهم وحكم عليهم بأن
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
ولا يتسدد منهم نظر .
قوله عزّ وجل :
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 64 إلى 67 ]
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 )
وصف اللّه تعالى
الدُّنْيا
في هذه الآية بأنها
لَهْوٌ وَلَعِبٌ
أي ما كان منها لغير وجه اللّه تعالى ، فأما ما كان للّه فهو من الآخرة ، وأما أمور الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قوام العيش والقوة على الطاعات فإنما هو
لَهْوٌ وَلَعِبٌ
، وتأمل ذلك في المطاعم والملابس والأقوال والمكتسبات وغير ذلك ، وانظر أن حالة الغني والفقير في الأمور الضرورية واحدة كالتنفس في الهواء وسد الجوع وستر العورة وتوقي الحر والبرد وهذه عظم أمر العيش ، و
الْحَيَوانُ
و
الْحَياةُ
بمعنى واحد ، وهو عند الخليل وسيبويه مصدر كالهيمان ونحوه ، والمعنى لا موت فيها قاله مجاهد وهو حسن ، ويقال أصله حييان فبدلت إحداهما واوا لاجتماع المثلين ، ثم وقفهم تعالى على حالهم في البحر عند الخوف العظيم ، فإن كل بشر ينسى كل صنم وغيره ويتمسك بالدعاء والرغبة إلى اللّه تعالى ، وقوله
إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ
أي يرجعون إلى ذكر أصنامهم ، وتعظيمها ، وقوله
لِيَكْفُرُوا
نصب بلام كي ، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم « وليتمتعوا » بكسر اللام ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي « وليتمتعوا » بسكون اللام على صيغة الأمر التي هي للوعيد والتهديد ، والواو على هذا عاطفة جملة كلام ، لا عاطفة فعل على فعل وفي مصحف أبي بن كعب « فتمتعوا فسوف تعلمون » ، وفي قراءة ابن مسعود « لسوف تعلمون » باللام ، ثم عدد تعالى على كفار قريش نعمته عليهم في الحرم في أنه جعله لهم آمنا لا خوف فيه من أحوال العرب وغارتهم وسوء أفعالهم من القتل وأخذ الأموال ونحوه ، وذلك هو « التخطف » الذي كان الناس بسبيله ، ثم قررهم على جهة التوبيخ