تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
على إيمانهم بالباطل وكفرهم باللّه وبنعمته ، وقرأ جمهور القراء « يؤمنون » بالياء من تحت وكذلك « يكفرون » ، وقرأهما بالتاء من فوق الحسن وأبو عبد الرحمن . قوله عزّ وجل :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 68 إلى 69 ]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 68 ) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) قررهم عزّ وجل على حال من
افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ
بآياته ، وهذه كانت حالهم وأعلمهم أنه لا أحد
أَظْلَمُ
منهم ، وهذا في ضمنه وعيد شديد ، ثم بين الوعيد أيضا بالتقرير على أمر جهنم ، و « المثوى » موضع الإقامة ، وألفاظ هذه الآيات في غاية الاقتضاب والإيجاز وجمع المعاني ، ثم ذكر تعالى حال أوليائه والمجاهدين فيه ، وقرر ذلك بذكر الكفرة والظلمة ليبين تباين الحالتين ، وقوله
فِينا
، معناه في مرضاتنا وبغية ثوابنا . قال السدي وغيره : نزلت هذه الآية قبل فرض القتال . قال الفقيه الإمام القاضي : فهي قبل الجهاد العرفي وإنما هو جهاد عام في دين اللّه وطلب مرضاته ، قال الحسن بن أبي الحسن : الآية في العباد ، وقال عياش وإبراهيم بن أدهم : هي في الذين يعلمون ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما علم علمه اللّه ما لم يعلم » ، ونزع بعض العلماء بقوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 282 ] ، وقال عمر بن عبد العزيز : إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا ، وقال أبو سليمان الداراني : ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين ، وعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة اللّه عزّ وجل وهو الجهاد الأكبر ، قاله الحسن وغيره وفيه حديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » ، وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك : إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن اللّه يقول
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
، وقال الضحاك : معنى الآية
وَالَّذِينَ جاهَدُوا
في الهجرة
لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سبل الثبوت على الإيمان ، و « السبل » هاهنا يحتمل أن تكون طرق الجنة ومسالكها ، ويحتمل أن تكون سبل الأعمال المؤدية إلى الجنة والعقائد النيرة ، قال يوسف بن أسباط : هي إصلاح النية في الأعمال وحب التزيد والتفهيم ، وهذا هو أن يجازى العبد على حسنة بازدياد حسنة وبعلم يقتدح من علم متقدم وهي حال من رضي اللّه عنه ، وباقي الآية وعد ، و « مع » تحتمل أن تكون هنا اسما ولذلك دخلت عليها لام التأكيد ، ويحتمل أن تكون حرفا ودخلت اللام لما فيها من معنى الاستقرار كما دخلت في « إن زيدا لفي الدار » . كمل تفسير سورة العنكبوت والحمد للّه رب العالمين