إلى العلم ، فإنه لو كان ممن يقرأ
لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
وكان لهم في ارتيابهم متعلق ، وأما ارتيابهم مع وضوح هذه الحجة فظاهر فساده ، وقال مجاهد : كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا لا يخط ولا يقرأ كتابا فنزلت هذه الآية ، وذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال : ما مات النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى كتب وأسند أيضا حديثا إلى أبي كبشة السلولي مضمنه أنه عليه السلام قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها .
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا كله ضعيف ، وقول الباجي رحمه اللّه منه ، وقوله تعالى :
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ
إضراب عن مقدر من الكلام يقتضيه ما تقدم كأنه قال : ليس الأمر كما حسبوا
بَلْ هُوَ
وهذا الضمير يحتمل أن يعود على القرآن ، ويؤيده أن في قراءة ابن مسعود « بل هي آيات » ، ويحتمل أن يعود على محمد صلى اللّه عليه وسلم ويؤيده أن قتادة قرأ « بل هو آية بينة » على الإفراد ، وقال : المراد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويحتمل أن يعود على أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم في أنه لم يتل ولا خط ، وبكل احتمال قالت فرقة ، وكون هذا كله
آياتٌ
أي علامات
فِي صُدُورِ
العلماء من المؤمنين بمحمد ، يراد به مع النظر والاعتبار . و
الظَّالِمُونَ
و
الْمُبْطِلُونَ
، قيل يعم لفظهما كل مكذب بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم ، قاله مجاهد ، وقال قتادة :
الْمُبْطِلُونَ
اليهود .
قوله عزّ وجل :
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 50 إلى 52 ]
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 52 )
الضمير في
قالُوا
لقريش ولبعض اليهود ، لأنهم كانوا يعلمون قريشا مثل هذه الحجة يقولون : لم لا يأتيكم بمثل ما جاء به موسى من العصا وغيرها ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وعلي بن نضر عن أبي عمرو « آية من ربه » ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم « آيات من ربه » ، فأمر اللّه تعالى نبيه أن يعلم أن هذا الأمر بيد اللّه عزّ وجل ولا يستنزله الاقتراح ولا التمني وأنه بعث نذيرا ولم يؤمر بغير ذلك ، وفي مصحف أبي بن كعب « قالوا لو ما يأتينا بآيات من ربه قل إنما الآيات » ، ثم احتج عليهم في طلبهم آية بأمر القرآن الذي هو أعظم الآيات ومعجز للجن والإنس فقال :
أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
، ثم قرر ما فيه من « الرحمة والذكرى » للمؤمنين ، فقوله
أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ
، جواب لمن قال
لَوْ لا أُنْزِلَ
، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المؤمنين كتبوا عن اليهود بطائق أخبروهم بشيء من التوراة فكتبوه ، فأنكر ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال « كفى بها ضلالة قوم أن رغبوا عما آتاهم به نبيهم إلى ما أتى به غيره » ، ونزلت الآية بسببه .