تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
بعضهم هو لزنية ونحو هذا وهم اليهود ، ويقول بعضهم هو اللّه تعالى فهذا هو امتراؤهم ، وسيأتي شرح ذلك من بعد هذا . وقوله
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ
معناه النفي وهذا هو معنى هذه الألفاظ حيث وقعت ثم يضاف إلى ذلك بحسب حال المذكور فيها إما نهي وزجر كقوله تعالى :
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا
[ التوبة : 120 ] ، وإما تعجيز كقوله تعالى
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
[ النمل : 60 ] ، وإما تنزيه كهذه الآية . و
مِنْ وَلَدٍ
، دخلت
مِنْ
مؤكدة للجحد لنفي الواحد فما فوقه مما يحتله نظير هذه العبارة إذا لم تدخل « من » ، وقوله ،
قَضى أَمْراً
، أي واحدا من الأمور وليس بمصدر أمر يأمر ، فمعنى
قَضى
أوجد أو أخرج من العدم ، وهذه التصاريف في هذه الأفعال من مضي واستقبال هي بحسب تجوز العرب واتساعها ، وقد تقدم القول في
كُنْ فَيَكُونُ
. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع « وأن اللّه » بفتح الألف وذلك عطف على قوله هذا
قَوْلَ الْحَقِّ
، « وأن اللّه ربي » ، كذلك وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي « وإن » بكسر الألف وذلك بين على الاستئناف وقرأ أبي بن كعب « إن اللّه » بكسر الألف دون واو . وقوله
فَاعْبُدُوهُ
وقف ثم ابتدأ
هذا صِراطٌ
أي ما أعلمتكم به عن اللّه تعالى من وحدانيته ونفي الولد عنه وغير ذلك مما يتنزه عنه طريق واضح مفض إلى النجاة ورحمته . قوله عزّ وجل :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 37 إلى 40 ]

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 ) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) هذا ابتداء خبر من اللّه تعالى لمحمد عليه السلام بأن بني إسرائيل اختلفوا أحزابا أي فرقا ، وقوله
مِنْ بَيْنِهِمْ
معناه أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا المختلفين . وروي في هذا عن قتادة أن بني إسرائيل جمعوا من أنفسهم أربعة أحبار غاية في المكانة والجلالة عندهم وطلبوهم بأن يبينوا أمر عيسى فقال أحدهم : عيسى هو اللّه نزل إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات ثم صعد ، فقال له الثلاثة كذبت واتبعه اليعقوبية ، ثم قيل للثلاثة فقال أحدهم : عيسى ابن اللّه فقال له الاثنان كذبت واتبعه النسطورية ، ثم قيل للاثنين فقال أحدهم عيسى أحد ثلاثة اللّه إله ، ومريم إله ، وعيسى إله ، فقال له الرابع كذبت واتبعه الإسرائيلية ، فقيل للرابع فقال عيسى عبد اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم فاتبع كل واحد من الأربعة فريق من بني إسرائيل ثم اقتتلوا فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع . وروي أن في ذلك نزلت
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] . و « الويل » الحزن والثبور ، وقيل ويل واد في جهنم ، و
مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
هو مشهد يوم القيامة ويحتمل أن يراد ب
مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
يوم قتل المؤمنون حين اختلف الأحزاب ، وقد أشار إلى هذا المعنى قتادة ، وقوله
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ
، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم يرجعون إلينا ويرون ما نصنع بهم من العذاب ، فإن إعراضهم حينئذ يزول ويقبلون على الحقيقة حين لا