تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
بالصدق على العموم في أفعاله وأقواله وذلك يغترق صدق اللسان الذي يضاد الكذب ، وأبو بكر رضي اللّه عنه وصف ب « صدّيق » لكثرة ما صدق في تصديقه بالحقائق وصدق في مبادرته إلى الإيمان وما يقرب من اللّه تعالى ، و « الصديق » مراتب ألا ترى أن المؤمنين صديقون لقوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ
[ الحديد : 19 ] . وقوله
يا أَبَتِ
، اختلف النحاة في التاء من
أَبَتِ
، فمذهب سيبويه أنها عوض من ياء الإضافة والوقوف عنده عليها بالهاء ، ومذهب الفراء أن يوقف عليها بالتاء ، لأن الياء التي للإضافة عنده منوية وجمهور القراء على كسر التاء ، وفي مصحف ابن مسعود « وا أبت » بواو للنداء ، وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر . « يا أبت » بفتح التاء ، ووجهها أنه أراد « يا أبتا » فحذف الألف وترك الفتحة دالة عليها ، ووجه آخر أن تكون التاء المقحمة كالتي في قوله يا طلحة وفي هذا نظر وقد لحن هارون هذه القراءة ، والذي
لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
، هو الصنم ولو سمع وأبصر كما هي حالة الملائكة وغيرهم ممن عبد لم يحسن عبادتها ، لكن بين إبراهيم عليه السلام بنفي السمع والبصر شنعة الرأي في عبادتها وفساده . وقوله
قَدْ جاءَنِي
يدل على أن هذه المقاولة هي بعد أن نبئ ، و « الصراط السوي » ، معناه الطريق المستقيم ، وهو طريق الإيمان . وقوله
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
، مخاطبة بر واستعطاف على حالة كفره . وقوله
لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
يحتمل أن يكون أبوه ممن عبد الجن ويحتمل أن يجعل طاعة الشيطان المعنوي في عبادة الأوثان والكفر باللّه عبادة له . و « العصي » ، فعيل من عصى يعصي إذا خالف الأمر ، وقوله
أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ
قال الطبري وغيره
أَخافُ
بمعنى أعلم . قال القاضي أبو محمد : والظاهر عندي أنه خوف على بابه ، وذلك أن إبراهيم عليه السلام لم يكن في وقت هذه المقاولة يائسا من إيمان أبيه ، فكان يرجو ذلك وكان يخاف أن لا يؤمن ويتمادى على كفره إلى الموت فيمسه العذاب . و « الولي » الخالص المصاحب القريب بنسب أو مودة ، قال آزر وهو تارخ
أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي
، والرغبة ميل النفس ، فقد تكون الرغبة في الشيء وقد تكون عنه ، وقوله
أَ راغِبٌ
رفع بالابتداء و
أَنْتَ
فاعل به يسد مسد الخبر وحسن ذلك وقربه اعتماد « راغب » على ألف الاستفهام ، ويجوز أن يكون « راغب » خبرا مقدما و
أَنْتَ
ابتداء والأول أصوب وهو مذهب سيبويه . وقوله
عَنْ آلِهَتِي
، يريد الأصنام وكان فيما روي ينحتها وينجرها بيده ويبيعها ويحض عليها فقرر ابنه إبراهيم على رغبته عنها على جهة الإنكار عليه ثم أخذ يتوعده ، وقوله
لَأَرْجُمَنَّكَ
اختلف فيه المتأولون ، فقال السدي وابن جريج والضحاك : معناه بالقول ، أي لأشتمنك
وَاهْجُرْنِي
أنت إذا شئت مدة من الدهر ، أو سالما حسب الخلاف الذي سنذكره . وقال الحسن بن أبي الحسن : معناه
لَأَرْجُمَنَّكَ
بالحجارة ، وقالت فرقة : معناه لأقتلنك ، وهذان القولان بمعنى واحد ، وقوله
وَاهْجُرْنِي
على هذا التأويل إنما يترتب بأنه أمر على حياله كأنه قال : إن لم تنته لأقتلنك بالرجم ، ثم قال له
وَاهْجُرْنِي
أي مع انتهائك كأنه جزم له الأمر بالهجرة وإلا فمع الرجم لا تترتب الهجرة و
مَلِيًّا
معناه دهرا طويلا مأخوذ من الملوين وهما الليل والنهار وهذا قول الجمهور والحسن ومجاهد وغيرهما فهو ظرف ، وقال ابن عباس وغيره
مَلِيًّا
معناه سليما منا سويا فهو حال من
إِبْراهِيمُ
عليه السلام ، وتلخيص هذا أن يكون بمعنى قوله مستبدا بحالك غنيا عني مليا بالاكتفاء .