تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
ينفعهم الإقبال عليها وهم في الدنيا صم عمي إذ لا ينفعهم النظر مع إعراضهم ، ثم قال : لكنهم اليوم في الدنيا
فِي ضَلالٍ
وهو جهل المسلك ، و « المبين » في نفسه وإن لم يبين لهم ، وحكى الطبري عن أبي العالية أنه قال
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ
، وهي بمعنى الأمر لمحمد عليه السلام أي أسمع الناس اليوم وأبصرهم بهم وبحديثهم ما ذا يصنع بهم من العذاب إذا أتوا محشورين مغلوبين ، وقوله
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ
، الآية ، الخطاب أيضا في هذه الآية لمحمد عليه السلام والضمير في
أَنْذِرْهُمْ
لجميع الناس ، واختلف في
يَوْمَ الْحَسْرَةِ
فقال الجمهور هو يوم ذبح الموت ، وفي هذا حديث صحيح ، وقع في البخاري وغيره ، أن الموت يجاء به في صورة كبش أملح ، وفي بعض الطرق كأنه كبش أملح ، وقال عبيد بن عمير كأنه دابة فيذبح على الصراط بين الجنة والنار وينادى : يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت ، ويروى أن أهل النار يشرئبون خوفا على ما هم فيه . و « الأمر المقضي » ، هو ذبح الكبش الذي هو مثال الموت وهذا عند حذاق العلماء ، كما يقال : تدفن الغوائل وتجعل الترات تحت القدم ، ونحو ذلك ، وعند ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها ، وقال ابن زيد وغيره
يَوْمَ الْحَسْرَةِ
هو يوم القيامة ، وذلك أن أهل النار قد حصلوا من أول أمرهم في سخط اللّه وأمارته فهم في حال حسرة ، و « الأمر المقضي » على هذا هو الحتم عليهم بالعذاب وظهور إنفاذ ذلك عليهم ، وقال ابن مسعود
يَوْمَ الْحَسْرَةِ
حين يرى الكفار مقاعدهم التي فاتتهم في الجنة لو كانوا مؤمنين ، ويحتمل أن يكون
يَوْمَ الْحَسْرَةِ
اسم جنس لأن هذه حسرات كثيرة في مواطن عدة ، ومنها يوم الموت ومنها وقت أخذ الكتاب بالشمال وغير ذلك . وقوله
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
، يريد في الدنيا الآن
وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
كذلك . وقوله
نَرِثُ
، تجوز وعبارة عن فناء المخلوقات وبقاء الخالق فكأنها وراثة ، وقرأ عاصم ونافع وأبو عمرو والحسن والأعمش « يرجعون » بالياء ، وقرأ الأعرج « ترجعون » بالتاء من فوق ، وقرأ أبو عبد الرحمن وابن أبي إسحاق وعيسى « يرجعون » بالياء من تحت مفتوحة وكسر الجيم ، وحكى عنهم أبو عمرو الداني « ترجعون » بالتاء . قوله عزّ وجل :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 41 إلى 46 ]

وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) قوله :
وَاذْكُرْ
بمعنى وأتل وشهر ، لأن اللّه تعالى هو الذاكر ، و
الْكِتابِ
هو القرآن وهذا وشبهه من لسان الصدق الذي أبقاه اللّه عليهم ، و « الصديق » ، فعيل بناء مبالغة من الصدق ، وقرأ أبو البرهسم « إنه كان صادقا » ، والصدق عرفه في اللسان وهو مطرد في الأفعال والخلق ، ألا ترى أنه يستعار لما لا يعقل فيقال صدقني الطعام كذا وكذا قفيزا ، ويقال عود صدق للصلب الجيد ، فكان إبراهيم عليه السلام يوصف