بتوطئة « ما » كما توطئ لدخولها أيضا لام القسم . وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه « ترءين » بالهمزة ، وقرأ طلحة وأبو جعفر وشبية « ترين » بسكون الياء وفتح النون خفيفة ، قال أبو الفتح : وهي شاذة ، ومعنى هذه الآية أن اللّه تعالى أمرها على لسان جبريل أو ابنها على الخلاف المتقدم بأن تمسك عن مخاطبة البشر وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها ، وتبين الآية فيقوم عذرها ، وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية وهو قول الجمهور . وقالت فرقة معنى
فَقُولِي
بالإشارة لا بالكلام وإلا فكأن التناقض بين في أمرها . وقرأ ابن عباس وأنس بن مالك « إني نذرت للرحمن وصمت » . وقال قوم معناه
صَوْماً
عن الكلام إذ أصل الصوم الإمساك ومنه قول الشاعر : [ البسيط ] « خيل صيام » وأخرى غير صائمة وقال ابن زيد والسدي : كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام ، وقرأت فرقة « إني نذرت للرحمن صمتا » ولا يجوز في شرعنا أن ينذر أحد صمتا ، وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق والكلام . قال المفسرون : أمرت مريم بهذا ليكفيها عيسى الاحتجاج .
قوله عزّ وجل :
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 27 إلى 28 ]
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 )
روي أن مريم عليها السلام لما اطمأنت بما رأت من الآيات وعلمت أن اللّه سيبين عذرها أتت به تحمله مدلة من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه ، روي أن قومها خرجوا في طلبها فلقوها وهي مقبلة به . و « الفري » العظيم الشنيع ، قاله مجاهد والسدي ، وأكثر استعماله في السوء وهو من الفرية ، فإن جاء الفري بمعنى المتقن فمأخوذ من فريت الأديم للإصلاح وليس بالبين ، وأما قولهم في المثل جاء يفري الفري فمعناه بعمل عظيم من العمل في قول أو فعل مما قصد ضرب المثل له وهو مستعمل فيما يختلف ويفعل ، و « الفري » من الأسقية الجديد ، وقرأ أبو حيوة « شيئا فريا » بسكون الراء ، واختلف المفسرون في معنى قوله عزّ وجل ،
يا أُخْتَ هارُونَ
، فقالت فرقة كان لها أخ اسمه
هارُونَ
لأن هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل ، تبركا باسم هارون أخي موسى ، وروى المغيرة بن شعبة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرسله إلى أهل نجران في أمر من الأمور فقال له النصارى إن صاحبك يزعم أن مريم « أخت هارون » وبينهما في المدة ستمائة سنة ، قال المغيرة فلم أدر ما أقول فلما قدمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكرت ذلك له . فقال ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين ، فالمعنى أنه اسم وأفق اسما ، وقال السدي وغيره : بل نسبوها إلى « هارون » أخي موسى لأنها كانت من نسله وهذا كما تقول من قبيلة يا أخا فلانة ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم » ، وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين إن مريم ليست ب « أخت لهارون » أخي موسى ، فقالت عائشة كذبت فقال لها يا أم المؤمنين إن كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاله فهو أصدق وخير ، وإلّا فإني أجد