تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
من كل عيب ونقص ومعصية . وقرأ « دمت » بضم الدال عاصم وجماعة ، وقرأ « دمت » بكسرها أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو وجماعة ، وقرأ الجمهور « وبرا » بفتح الباء وهو الكثير البر ونصبه على قوله
مُبارَكاً
، وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز وجماعة « برا » بكسر الباء فقال بعضها نصبه على العطف على قوله
مُبارَكاً
فكأنه قال وذا بر فاتصف بالمصدر كعدل ونحوه ، وقال بعضها نصبه بقوله
وَأَوْصانِي
أي « وأوصاني برا بوالدتي » حذف الجار كأنه يريد « وأوصاني ببر والدتي » . وحكى الزهراوي هذه القراءة « وبرّ » بالخفض عطفا على
الزَّكاةِ
، وقوله
بِوالِدَتِي
بيان لأنه لا والد له ، وبهذا القول برأها قومها . و « الجبار » المتعظم وهي خلق مقرونة بالشقاء لأنها مناقضة لجميع الناس فلا يلقى صاحبها من أحد إلا مكروها ، وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع ، يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ويأوي حيث جنه الليل لا مسكن له . قال قتادة وكان يقول : سلوني فإن لين القلب صغير في نفسي . وقد تقدم ذكر تسليمه على نفسه وإذلاله في ذلك ، وذكر المواطن التي خصها لأنها أوقات حاجة الإنسان إلى رحمة اللّه . وقال مالك بن أنس رضي اللّه عنه في هذه الآية : ما أشدها على أهل القدر أخبر عيسى بما قضي من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت . وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا إن هذا الأمر عظيم . وروي أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ثم عاد إلى حالة الأطفال حتى مشى على عادة البشر . وقالت فرقة : إن عيسى كان أوتي الكتاب وهو في ذلك السن وكان يصوم ويصلي وهذا في غاية الضعف مصرح بجهالة قائله . قوله عزّ وجل :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 34 إلى 36 ]

ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) المعنى قل يا محمد لمعاصريك من اليهود والنصارى
ذلِكَ
الذي منه قصة
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
وإنما قدرنا في الكلام قل يا محمد لأنه يجيء في الآية بعد ، « وأن اللّه ربي وربكم » هذه مقالة بشر وليس يقتضي ظاهر الآية قائلا من البشر سوى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد يحتمل أن يكون قوله
ذلِكَ عِيسَى
إلى قوله
فَيَكُونُ
إخبارا لمحمد اعتراضا أثناء كلام عيسى ، ويكون قوله « وأن » بفتح الألف عطفا على قوله
الْكِتابَ
[ مريم : 30 ] . وقد قال وهب بن منبه : عهد عيسى إليهم « أن اللّه ربي وربكم » ، ومن كسر الألف عطف على قوله
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
[ مريم : 30 ] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي وعامة الناس « قول الحق » برفع القول على معنى هذا قول الحق . وقرأ عاصم وابن عامر وابن أبي إسحاق « قول الحق » بنصب القول على المصدر . قال أبو عبد الرحمن المقري : كان يجالسني ضرير ثقة فقال : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم يقرأ « قول الحق » نصبا ، قال أبو عبد الرحمن : وكنت أقرأ بالرفع فجنبت فصرت أقرأ بهما جميعا . وقرأ عبد اللّه بن مسعود « قال اللّه » بمعنى كلمة اللّه ، وقرأ عيسى « قال الحق » ، وقرأ نافع والجمهور « يمترون » بالياء على الكناية عنهم ، وقرأ نافع أيضا وأبو عبد الرحمن وداود بن أبي هند « تمترون » بالتاء على الخطاب لهم ، والمعنى تختلفون أيها اليهود والنصارى فيقول