تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
يَحْكُمُونَ
،
ما
مصدرية ، والتقدير : ساء الحكم حكمهم . قوله عزّ وجل :

[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 22 إلى 24 ]

وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 22 ) أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 24 )
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
معناه : بأن خلقها حق واجب متأكد في نفسه لما فيه من فيض الخيرات ولتدل عليه ولتكون صنعة حاكمة لصانع وقيل لبعض الحكماء : لم خلق اللّه السماوات والأرض ؟ قال ليظهر جوده . واللام في قوله :
لِتُجْزى
يظهر أن تكون لام كي ، فكأن الجزاء من أسباب خلق السماوات ، ويحتمل أن تكون لام الصيرورة أي صار الأمر فيها من حيث اهتدى بها قوم وضل عنها آخرون لأن يجازى كل أحد بعلمه وبما اكتسب من خير أو شر . وقوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ
سهل بعض القراء الهمزة وخففها قوم ، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود مخففة ، وفي مصحف أبي بن كعب : « أفرأيت » دون همز . وهذه الآية تسلية لمحمد صلى اللّه عليه وسلم عن المعرضين عن الإيمان ، أي لا تعجل بهم ولا تهتم بأمرهم ، فليس فيهم حيلة لبشر ، لأن اللّه تعالى أضلهم . وقال ابن جبير : قوله :
إِلهَهُ هَواهُ
إشارة إلى الأصنام إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة . وقال قتادة المعنى : لا يهوى شيئا إلا ركبه ، لا يخاف اللّه ، وهذا كما يقال : الهوى إله معبود . وقرأ الأعرج وابن جبير : « آلهة هواه » على التأنيث في « آلهة » . وهذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس الأمارة ، قال ابن عباس : ما ذكر اللّه هوى إلا ذمة . وقال الشعبي : سمي هوى لهوية بصاحبه . وقال النبي عليه السلام : والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه وقال سهل التستري : هواك داؤك ، فإن خالفته فدواؤك . وقال سهل : إذا شككت في خير أمرين ، فانظر أبعدهما من هواك فأته . ومن حكمة الشعر في هذا قول القائل :
إذا أنت لم تعص الهوى قادك ال * هوى إلى كل ما فيه عليك مقال
وقوله تعالى :
عَلى عِلْمٍ
قال ابن عباس المعنى : على علم من اللّه تعالى سابق . وقالت فرقة : أي على علم من هذا الضال بأن الحق هو الذي يترك ويعرض عنه ، فتكون الآية على هذا من آيات العناد من نحو قوله :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[ النمل : 14 ] وعلى كلا التأويلين : ف
عَلى عِلْمٍ
، حال . وقوله تعالى :
وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
استعارات كلها ، إذ هو الضال لا ينفعه ما يسمع ولا ما يفهم ولا ما يرى ، فكأنه بهذه الأوصاف المذكورة ، وهذه الآية لا حجة للجبرية فيها ،
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 86 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى