تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
والجزية وما أحكمه الشرع لا محالة ، وإن الأمور المحقرة كالجفاء في القول ونحو ذلك يحتمل أن يتقى محكمه ، وأن يكون العفو عنها أقرب إلى التقوى . وقال ابن عباس لما نزلت :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[ البقرة : 245 ] قال فنحاص اليهودي . احتاج رب محمد ، فأخذ عمر سيفه ومر ليقتله ، فرده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : « إن ربك يقول :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا
» الآية ، فهذا احتجاج بها مع قدم نزولها . وقد ذكر مكي وغيره أنها نزلت بمكة في عمر رضي اللّه عنه لما أراد أن يبطش بمشرك شتمه . وأما الجزم في قوله :
يَغْفِرُوا
فهو جواب شرط مقدر تقديره : قل اغفروا فإن يجيبوا يغفروا . وأخصر عندي من هذا أن
قُلْ
هي بمثابة : أندب المؤمنين إلى الغفر . وقوله :
أَيَّامَ اللَّهِ
قالت فرقة معناه : أيام إنعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك ، ف
يَرْجُونَ
على هذا هو من بابه . وقال مجاهد :
أَيَّامَ اللَّهِ
تعالى هي أيام نقمه وعذابه ، ف
يَرْجُونَ
على هذا هي التي تتنزل منزلة يخافون ، وإنما تنزلت منزلتها من حيث الرجاء والخوف متلازمان لا تجد أحدهما إلا والآخر معه مقترن ، وقد تقدم شرح هذا غير مرة ، وقرأ جمهور القراء « ليجزي » بالياء على معنى : ليجزي اللّه . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والأعمش وأبو عبد الرحمن وابن وثاب : « لنجزي » بالنون . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بخلاف عنه « ليجزى » على بناء الفعل للمفعول « قوما » ، وهذا على أن يكون التقدير : ليجزي الجزاء قوما ، وباقي الآية وعيد . قوله عزّ وجل :

[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 15 إلى 17 ]

مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 15 ) وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 16 ) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 17 ) لما تقرر في التي قبل هذه أن اللّه يجزي قوما بكسبهم ويعاقبهم بذنوبهم واجترامهم ، أكد ذلك بقوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ
. وقوله :
فَلِنَفْسِهِ
هي لام الحظ ، لأن الحظوظ والمحاب إنما يستعمل فيها اللام التي هي كلام الملك ، تقول الأمور لزيد متأتية ، وتستعمل في ضد ذلك على ، فتقول : الأمور على فلان مستصعبة ، وتقول : لزيد مال وعليه دين ، وكذلك جاء العمل الصالح في هذه الآية باللام والإشارة ب « على » . وقوله تعالى :
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
معناه إلى قضائه وحكمه ، و
الْكِتابَ
في قوله :
آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ
هو التوراة .
وَالْحُكْمَ
هو السنة والفقه ، فيقال إنه لم يتسع فقه الأحكام على لسان نبي ما اتسع على لسان موسى عليه السلام :
وَالنُّبُوَّةَ
هي ما تكرر فيهم من الأنبياء . وقوله تعالى :
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
يعني المستلذات الحلال ، وبهذين تتم النعمة ويحسن