تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
تعديدها ، وهذه إشارة إلى المن والسلوى ، وطيبات الشام بعد ، إذ هي الأرض المباركة ، وقد تقدم القول في معنى
الطَّيِّباتِ
، وتلخيص قول مالك والشافعي في ذلك . وقوله تعالى :
عَلَى الْعالَمِينَ
يريد على عالم زمانهم . والبينات من الأمر : هو الوحي الذي فصلت لهم به الأمور . ثم أوضح تعالى خطأهم وعظمه بقوله :
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
وذلك أنهم لو اختلفوا اجتهادا في طلب صواب لكان لهم عذر في الاختلاف ، وإنما اختلفوا بغيا وقد تبينوا الحقائق ، ثم توعدهم تعالى بوقف أمرهم على قضائه بينهم يوم القيامة . قوله عزّ وجل :

[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 18 إلى 21 ]

ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 18 ) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ( 19 ) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 20 ) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 21 ) المعنى :
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ
، فلا محالة أنه سيختلف عليك كما تقدم لبني إسرائيل فاتبع شريعتك ، والشريعة في كلام العرب : الموضع الذي يرد فيه الناس في الأنهار والمياه ومنه قول الشاعر : [ البسيط ] .
وفي الشرائع من جلان مقتنص * رث الثياب خفيّ الشخص منسرب
فشريعة الدين هي من ذلك ، كأنها من حيث يرد الناس أمر الحدود ورحمته والقرب منه . وقال قتادة : الشريعة : الفرائض والحدود والأمر والنهي . وقوله :
مِنَ الْأَمْرِ
يحتمل أن يكون واحد الأمور أي من دون اللّه ونبواته التي بثها في سالف الزمان ، ويحتمل أن يكون مصدرا من أمر يأمر ، أي على شريعة من الأوامر والنواهي ، فسمى جميع ذلك أمرا . و
الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
هم الكفار الذين كانوا يريدون صرف محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى إرادتهم . و :
يُغْنُوا
من الغناء ، أي لن يكون لهم عنك دفاع . ثم حقر تعالى شأن الظالمين مشيرا بذلك إلى كفار قريش ، ووجه التحقير أنه قال : هؤلاء يتولى بعضهم بعضا ، والمتقون يتولاهم اللّه ، فخرجوا عن ولاية اللّه وتبرأت منهم ، ووكلهم اللّه بعضهم إلى بعض . وقوله تعالى :
هذا بَصائِرُ
يريد القرآن . والبصائر جمع بصيرة ، وهي المعتقد الوثيق في الشيء ، كأنه مصدر من إبصار القلب ، فالقرآن فيه بيانات ينبغي أن تكون بصائر . والبصيرة في كلام العرب : الطريقة من الدم ، ومنه قول الشاعر يصف جده في طلب الثأر وتواني غيره : [ الكامل ]
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 84 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى