صببنا عليها ظالمين سياطنا * فطارت بها أيد سراع وأرجل
وإنما خص « السوط » بأن يستعار للعذاب لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره ، وقال بعض اللغويين : « السوط » هنا مصدر من ساط يسوط إذا اختلط فكأنه قال خلط عذاب ، و « المرصاد » موضع الرصد ، قاله اللغويون ، أي أنه عند لسان كل قائل ، ومرصد لكل فاعل ، وعلى هذا التأويل في المرصاد جواب عامر بن عبد قيس لعثمان حين قال له : أين ربك يا أعرابي ؟ قال بالمرصاد ، ويحتمل أن يكون « المرصاد » في الآية اسم فاعل كأنه قال لبالراصد فعبر بالمبالغة ، وروي في بعض الحديث أن على جسر جهنم ثلاث قناطر على إحداهما الأمانة وعلى إحداهما [ الرحم ] وعلى الأخيرة الرب تبارك وتعالى ، فذلك قوله
لَبِالْمِرْصادِ
.
قوله عزّ وجل :
[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 15 إلى 22 ]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا ( 19 )
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 )
ذكر اللّه تعالى في هذه الآية : ما كانت قريش تقوله تستدل به على إكرام اللّه تعالى وإهانته لعبده ، وذلك أنهم كانوا يرون أن من عنده الغنى والثروة والأولاد فهو المكرم ، وبضده المهان ، ومن حيث كان هذا المقطع غالبا على كثيرين من الكفار ، جاء التوبيخ في هذه الآية لاسم الجنس ، إذ يقع بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع ، ومن ذلك حديث الأعراب الذين كانوا يقدمون المدينة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فمن نال خيرا قال هذا دين حسن ، ومن ناله شر قال هذا دين سوء ، و
ابْتَلاهُ
معناه : اختبره ، و
نَعَّمَهُ
معناه : جعله ذا نعمة ، وقرأ ابن كثير « أكرمني » بالياء في وصل ووقف وحذفها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في الوجهين ، وقرأ نافع بالياء في الوصل وحذفها في الوقف ، وكذلك « أهانني » ، وخير في الوجهين أبو عمرو ، وقرأ جمهور الناس : « فقدر » بتخفيف الدال ، بمعنى ضيق ، وقرأ الحسن بخلاف وأبو جعفر وعيسى « قدر » بمعنى : جعله على قدر ، وهما بمعنى واحد في معنى التضييق لأنه ضعف قدر مبالغة لا تعدية ، ويقتضي ذلك قول الإنسان
أَهانَنِ
، لأن « قدر » معدى إنما معناه أعطاه ما يكفيه ولا إهانة مع ذلك . ثم قال تعالى :
كَلَّا
ردّا على قولهم ومعتقدهم ، أي ليس إكرام اللّه تعالى وإهانته ، في ذلك ، وإنما ذلك ابتلاء فحق من ابتلي بالغنى أن يشكر ويطيع ، ومن ابتلي بالفقر أن يشكر ويصبر ، وأما إكرام اللّه تعالى فهو بالتقوى ، وإهانته فبالمعصية ، ثم أخبرهم بأعمالهم من أنهم لا يكرمون اليتيم وهو من بني آدم الذي فقد أباه وكان غير بالغ . ومن البهائم ما فقد أمه ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أحبّ البيوت إلى اللّه ، بيت فيه يتيم مكرم » ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر « يحضون » بمعنى : يحض بعضهم بعضا أو