تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
تقدم ، وأما القراءة الثانية فتحتمل أمرين . إما أن تكون اللام دخلت على فعل الحال . التقدير لأنا أقسم فلا تلحق لأن النون نون التوكيد إنما تدخل في الأكثر لتفرق بين فعل الحال والفعل المستقبل فهي تلزم المستقبل في الأكثر ، وإما أن يكون الفعل خالصا للاستقبال فكأن الوجه والأكثر أن تلحق النون إما الخفيفة وإما الثقيلة ، لكن قد ذكر سيبويه أن النون قد تسقط مع إرادة الاستقبال وتغني اللام عنها . كما تسقط اللام وتغني النون عنها وذلك في قول الشاعر : [ الكامل ]
وقتيل مرة أثأرن فإنه * فرغ وإن قتيلهم لم يثأر
المراد لأثارن ، وأما قوله « ولا أقسم بالنفس اللوامة » فقيل « لا » نافية ، وإن اللّه تعالى أقسم بيوم القيامة ، ونفى أن يقسم بالنفس اللوامة نص عليه الحسن ، وقد ذهب هذا المذهب قوم ممن قرأ « لا أقسم ولأقسم » ، وذلك قلق وهو في القراءة الثانية أمكن وجمهور المتأولين على أن اللّه تعالى أقسم بالأمرين ، واختلف الناس في النفس
اللَّوَّامَةِ
ما معناه ، فقال الحسن هي
اللَّوَّامَةِ
لصاحبها في ترك الطاعة ونحوه ، فهي على هذا ممدوحة ، ولذلك أقسم اللّه تعالى بها ، وقال ابن عباس : هي الفاجرة الجشعة
اللَّوَّامَةِ
لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها فهي على هذا ذميمة وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها والنفس في الآية اسم جنس لنفوس البشر ، وقال ابن جبير ما معناه : إن القسم بها هي اسم الجنس لأنها تلوم على الخير وعلى الشر ، وقيل المراد نفس آدم لأنها لم تزل اللائمة له على فعله الذي أخرجه من الجنة . قال القاضي أبو محمد : وكل نفس متوسطة ليست بالمطمئنة ولا بالأمارة بالسوء ، فإنها لوامة في الطرفين مرة تلوم على ترك الطاعة ، ومرة تلوم على فوت ما تشتهي ، فإذا اطمأنت خلصت وصفت . وقوله تعالى :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ
تقرير وتوبيخ ، و
الْإِنْسانُ
اسم جنس وهذه أقوال كانت لكفار قريش فعليها هو الرد ، وقرأ جمهور الناس : « نجمع عظامه » بالنون ونصب الميم من العظام ، وقرأ قتادة « أن لن يجمع عظامه » بالياء ورفع الميم من العظام ، ومعنى ذلك في القيامة وبعد البعث من القبور ، وقرأ أبو عمرو بإدغام العين ثم قال تعالى :
بَلى
وهي إيجاب ما نفي ، وبابها أن تأتي بعد النفي والمعنى بل يجمعها
قادِرِينَ
بنصب
قادِرِينَ
على الحال . وقرأ ابن أبي عبلة « قادرون » بالرفع ، وقال القتبي :
نُسَوِّيَ بَنانَهُ
معناه نتقنها سوية ، والبنان : الأصابع ، فكأن الكفار لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والإرمام ، قيل لهم إنما تجمع ويسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وهي عظام الأنامل ومفاصلها ، وهذا كله عند البعث ، وقال ابن عباس وجمهور المفسرين :
نُسَوِّيَ بَنانَهُ
معناه نجعلها في حياته هذه بضعة أو عظما واحدا كخف البعير لا تفاريق فيه ، فكأن المعنى قادرين لأن في الدنيا على أن نجعلها دون تفرق ، فتقل منفعته بيده ، فكأن التقدير
بَلى
نحن أهل أن نجمعها
قادِرِينَ
على إزالة منفعة بيده ، ففي هذا توعد ما ، والقول الأول أحرى مع رصف الكلام ، ولكن على هذا القول جمهور العلماء ، وقوله تعالى :
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
قال بعض المتأولين : الضمير في
أَمامَهُ
عائد على
الْإِنْسانُ
، ومعنى الآية أن الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبدا قدما راكب رأسه ومطيع أمله ومسوفا بتوبته ، قاله مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي ، وقال السدي : المعنى ليظلم على قدر طاقته ، وقال الضحاك