وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وأبو حيوة : « خافضة رافعة » بالنصب على الحال بعد الحال التي هي
لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ
ولك أن تتابع الأحوال . كما لك أن تتابع أخبار المبتدأ ، والقراءة الأولى أشهر وأبرع معنى ، وذلك أن موقع الحال من الكلام موقع ما لم يذكر لاستغني عنه وموقع الجمل التي يجزم الخبر بها موقع ما يتهمم به .
واختلف الناس في معنى هذا الخفض والرفع في هذه الآية ، فقال قتادة وعثمان بن عبد اللّه بن سراقة : القيامة تخفض أقواما إلى النار ، وترفع أقواما إلى النار ، وترفع أقواما إلى الجنة . وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك : الصيحة تخفض قوتها لتسمع الأدنى وترفعها لتسمع الأقصى . وقال جمهور من المتأولين : القيامة بتفطر السماء والأرض والجبال انهدام هذه البنية ، ترفع طائفة من الأجرام وتخفض أخرى ، فكأنها عبارة عن شدة الهول والاضطراب ، والعامل في قوله :
إِذا رُجَّتِ
،
وَقَعَتِ
، لأن
إِذا
هذه بدل من
إِذا
الأولى ، وقد قالوا : إن
وَقَعَتِ
هو العامل في الأولى ، وذلك لأن معنى الشرط فيها قوي ، فهي ك « من » و « ما » في الشرط ، يعمل فيها ما بعدها من الأفعال ، وقد قيل إن
إِذا
مضافة إلى
وَقَعَتِ
فلا يصح أن يعمل فيها ، وإنما العامل فيها فعل مقدر . ومعنى :
رُجَّتِ
زلزلت وحركت بعنف ، قاله ابن عباس ، ومنه ارتج السهم في الغرض إذا اضطرب بعد وقوعه ، والرجة في الناس الأمر المحرك .
واختلف اللغويون في معنى :
بُسَّتِ
فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة معناه : فتتت ، كما تبس البسيسة وهي السويق ، ويقال بسست الدقيق إذا ثريته بالماء وبقي مفتتا ، وأنشد الطبري في هذا : [ الرجز ] لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا وقال هذا قول لص أعجله الخوف عن العجين ، فقال لصاحبه هذا . وقال بعض اللغويين :
بُسَّتِ
معناه سيرت قالوا والخبز سير الشديد وضرب الأرض بالأيدي ، والبس : السير الرفيق ، وأنشد البيت :
[ الرجز ]
لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا * وجنباها نهشلا وعبسا
ولا تطيلا بمناخ حبسا ذكر هذا أبو عثمان اللغوي في كتابه في الأفعال .
و « الهباء » : ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة ، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت من كوة ، قاله ابن عباس ومجاهد . وقال قتادة : الهباء : ما تطاير من يبس النبات . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه الهباء : ما تطاير من حوافر الخيل والدواب . وقال ابن عباس أيضا ، الهباء : ما تطاير من شرر النار ، فإذا طفي لم يوجد شيئا . والمنبث : بالتاء المثلثة ، الشائع في جميع الهواء .
وقرأ النخعي : « منبتا » بالتاء بنقطتين ، أي متقطعا ، ذكر ذلك الثعلبي .
قال القاضي أبو محمد : والقول الأول في هباء أحسن الأقوال .