قوله عزّ وجل :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 45 إلى 52 ]
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ( 45 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 46 ) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ( 48 ) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 )
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 51 ) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 )
قال بعض المفسرين :
مِنْ قِيامٍ
معناه : ما استطاعوا أن يقوموا من مصارعهم . وقال قتادة وغيره معناه : ما قيام بالأمر ودفعه كما تقول : ما ان له بكذا وكذا قيام ، أي استضلاع وانتهاض .
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم : « وقوم نوح » بالنصب ، وهو عطف إما على الضمير في قوله :
فَأَخَذَتْهُمُ 44
[ الذاريات : 44 ] إذ هو بمنزلة أهلكناهم ، وإما على الضمير في قوله :
فَنَبَذْناهُمْ
[ الذاريات : 40 ] ، وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث : « وقوم نوح » بالرفع وذلك على الابتداء وإضمار الخبر وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي : « وقوم » بالخفض عطفا على ما تقدم من قوله :
وَفِي ثَمُودَ
[ الذاريات : 43 ] وقد روي النصب عن أبي عمرو .
وقوله :
وَالسَّماءَ
نصب بإضمار فعل تقديره : وبنينا السماء بنيناها . والأيد : القوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ، ووقعت في المصحف بياءين وذلك على تخفيف الهمز ، وفي هذا نظر .
وقوله :
لَمُوسِعُونَ
يحتمل أن يريد : إنا نوسع الأشياء قوة وقدرة كما قال تعالى :
عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ
[ البقرة : 236 ] أي الذي يوسع أهله إنفاقا ، ويحتمل أن يريد :
لَمُوسِعُونَ
في بناء السماء ، أي جعلناها واسعة وهذا تأويل ابن زيد وقال الحسن : أوسع الرزق بمطر السماء و « الماهد » المهيئ الموطئ للموضع الذي يتمهد ويفترش .
وقوله تعالى :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
أي مصطحبين ومتلازمين ، فقال مجاهد معناه أن هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء كالليل والنهار والشقوة والسعادة والهدى والضلالة والأرض والسماء والسواد والبياض والصحة والمرض والكفر والإيمان ونحو هذا ، ورجحه الطبري بأنه دل على القدرة التي توجد الضدين ، بخلاف ما يفعل بطبعه فعلا واحدا كالتسخين والتبريد . وقال ابن زيد وغيره :
هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل حيوان والترجي الذي في قوله :
لَعَلَّكُمْ
هو بحسب خلق البشر وعرفها . وقرأ الجمهور « تذكرون » بشد الذال والإدغام . وقرأ أبي بن كعب : « تتذكرون » بتاءين وخفة الذال .
وقوله :
فَفِرُّوا
أمر بالدخول في الإيمان وطاعة اللّه ، وجعل الأمر بذلك بلفظ الفرار لينبه على أن وراء الناس عقابا وعذابا وأمرا حقه أن يفر منه ، فجمعت لفظة « فروا » بين التحذير والاستدعاء ، وينظر إلى هذا المعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك » الحديث ، قال الحسن بن الفضل : من فر إلى غير اللّه .