نأكل إلا ما أدينا ثمنه . فقال إبراهيم وأنا لا أبيحه لكم إلا بثمن . قالوا : وما هو ؟ قال : أن تسموا اللّه تعالى عند الابتداء وتحمدوه عند الفراغ من الأكل . فقال بعضهم لبعض : بحق اتخذه اللّه خليلا . فلما استمروا على ترك الأكل أوجس
مِنْهُمْ خِيفَةً
. والوجيس تحسيس النفس وخواطرها في الحذر . وذلك أن أكل الضيف أمنة ودليل على انبساط نفسه والطعام حرمة وذمام . والامتناع منه وحشة . فخشي إبراهيم عليه السلام أن امتناعهم من أكل طعامه إنما هو لشر يريدونه ، فقالوا له :
لا تَخَفْ
وعرفوه أنهم ملائكة ،
وَبَشَّرُوهُ
وبشروا سارة معه
بِغُلامٍ عَلِيمٍ
. أي عالم في حال تكليفه وتحصيله ، أي سيكون عليما و :
عَلِيمٍ
بناء مبالغة . وجمهور الناس على أن الغلام هنا إسحاق ابن سارة الذي ذكرت البشارة به في غير موضع . وقال مجاهد ، وهذا الغلام هو إسماعيل . والأول أرجح ، وهذا وهم . ويروى أنه إنما عرف كونهم ملائكة استدلالا من بشارتهم إياه بغيب .
وقوله تعالى :
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ
يحتمل أن يكون قربت إليهم من ناحية من نواحي المنزل ، ويحتمل أن يكون هذا الإقبال كما تقول : أقبل فلان يشتمني ، أو يفعل كذا إذا جد في ذلك وتلبس به ، والصرة :
الصيحة ، كذا فسره ابن عباس ومجاهد وسفيان والضحاك ، والمصطر الذي يصيح وقال قتادة معناه : في رقة . وقال الطبري قال بعضهم أوه بصياح وتعجب . قال النحاس : وقيل :
فِي صَرَّةٍ
في جماعة نسوة يتبادرن نظرا إلى الملائكة .
وقوله :
فَصَكَّتْ وَجْهَها
، معناه : ضربت وجهها ، قال ابن عباس : لطمت ، وهذا مما يفعله الذي يرد عليه أمر يستهوله . وقال سفيان والسدي ومجاهد معناه : ضربت بكفها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن . وقولها :
عَجُوزٌ عَقِيمٌ
، إما أن يكون تقديره : أنا
عَجُوزٌ عَقِيمٌ
فكيف ألد ؟ وإما أن يكون التقدير :
عَجُوزٌ عَقِيمٌ
تكون منها ولادة ، وقدره الطبري : أتلد
عَجُوزٌ عَقِيمٌ
. ويروى أنها كانت لم تلد قط . والعقيم من النساء التي لا تلد ، ومن الرياح التي لا تلقح شجرا ، فهي لا بركة فيها ، وقولهم :
كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ
أي كقولنا الذي أخبرناك قال ربك أن يكون . و :
الْحَكِيمُ
ذو الحكمة .
و :
الْعَلِيمُ
معناه بالمصالح وغير ذلك من العلومات ثم قال إبراهيم عليه السلام للملائكة :
فَما خَطْبُكُمْ
والخطب : الأمر المهم ، وقل ما يعبر به إلا عن الشدائد والمكاره حتى قالوا : خطوب الزمان ونحو هذا ، فكأنه يقول لهم : ما هذه الطامة التي جئتم لها ؟ فأخبروه حينئذ أنهم أرسلوا إلى سدوم قرية لوط بإهلاك أهلها الكفرة العاصين المجرمين . والمجرم : فاعل الجرائم ، وهي صعاب المعاصي : كفر ونحوه واحدتها جريمة . وقولهم :
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ
أي لنهلكهم بهذه الحجارة . ومتى اتصلت « أرسل » ب « على » : فهي بمعنى المبالغة في المباشرة والعذاب . ومتى اتصلت ب « إلى » ، فهي أخف . وانظر ذلك تجده مطردا .
وقوله تعالى :
حِجارَةً مِنْ طِينٍ
بيان يخرج عن معتاد حجارة البرد التي هي من ماء . ويروى أنه طين طبخ في نار جهنم حتى صار حجارة كالآجر . و :
مُسَوَّمَةً
نعت ل
حِجارَةً
، وقيل معناه متروكة وسومها من الإهلاك والانصباب . وقيل معناه : معلمة بعلامتها من السيما والسومى وهي العلامة ، أي إنها ليست من حجارة الدنيا ، وقال الزهراوي والرماني ، وقيل معناه : على كل حجر اسم المضروب به . وقال