تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وقوله تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ
. قال الضحاك وابن جبير : أراد المطر والثلج . وقال واصل الأحدب ومجاهد : أراد القضاء والقدر ، أي الرزق عند اللّه يأتي به كيف يشاء ، لا رب غيره . وقرأ ابن محيصن « وفي السماء رازقكم » . و :
تُوعَدُونَ
يحتمل أن يكون من الوعد ، ويحتمل أن يكون من الوعيد ، والكل في السماء . قال الضحاك المراد : من الجنة والنار . وقال مجاهد المراد : الخير والشر . وقال ابن سيرين المراد : الساعة . ثم أقسم تعالى بنفسه على صحة هذا القول والخبر وشبهه في اليقين به بالنطق من الإنسان ، وهو عنده في غاية الوضوح ، ولا يمكن أن يقع فيه من اللبس ما يقع في الرؤية والسمع ، بل النطق أشد تخلصا من هذه واختلف القراء في قوله :
مِثْلَ ما
، فقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر « مثل » بالرفع ، ورويت عن الحسن وابن أبي إسحاق والأعمش بخلاف عنهم . وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وأهل المدينة وجل الناس : « مثل » بالنصب ، فوجه الأولى الرفع على النعت ، وجاز نعت النكرة بهذا الذي قد أضيف إلى المعرفة من حيث كان لفظ مثل شائعا عاما لوجوه كثيرة ، فهو لا تعرفه الإضافة إلى معرفة ، لأنك إذا قلت : رأيت مثل زيد فلم تعرف شيئا ، لأن وجوه المماثلة كثيرة ، فلما بقي الشياع جرى عليه حكم النكرة فنعتت به النكرة . و
ما
زائدة تعطي تأكيدا ، وإضافة « مثل » هي إلى قوله :
أَنَّكُمْ
. ووجه قراءة النصب أحد ثلاثة وجوه : إما أن يكون مثل قد بني لما أضيف إلى غير متمكن وهو في موضع رفع على الصفة
لَحَقٌّ
ولحقه البناء ، لأن المضاف إليه قد يكسب المضاف بعض صفته كالتأنيث في قوله : شرقت صدر القناة . ونحوه ، وكالتعريف في غلام زيد إلى غير ذلك ، ويجري « مثل » حينئذ مجرى
عَذابِ يَوْمِئِذٍ
[ المعارج : 11 ] على قراءة من فتح الميم ، ومنه قول الشاعر [ النابغة الذبياني ] : [ الطويل ] على حين عاتبت المشيب على الصبا ومنه قول الآخر : [ البسيط ] لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت ف « غير » فاعلة ولكنه فتحها . والوجه الثاني وهو قول المازني إن « مثل » بني لكونه مع
ما
شيئا واحدا ، وتجيء على هذا في مضمار ويحما وأينما ، ومنه قول حميد بن ثور : [ الطويل ]
ألا هيما مما لقيت وهيما * وويها لمن لم يدر ما هن ويحما
فلولا البناء وجب أن يكون منونا ، وكذلك قول الشاعر [ حسان بن ثابت ] : [ الطويل ] فأكرم بنا أما وأكرم بنا ابن ما والوجه الثالث : أن تنصب « مثل » على الحال من قوله :
لَحَقٌّ
وهي حال من نكرة وفيه خلاف لكن جوز ذلك الجرمي ، وأما غيره فيراه حالا من الذكر المرفوع في قوله
لَحَقٌّ
لأن التقدير
لَحَقٌّ
هو ، وفي هذا نظر . والنطق في هذه الآية : الكلام بالحروف والأصوات في ترتيب المعاني . وروي أن بعض الأعراب الفصحاء سمع هذه الآية فقال : من أحوج الكريم إلى أن يحلف ؟ والحكاية وقعت في كتاب الثعلبي وسبل
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 176 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى