تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وأنعمت بالإدراكات وهديت السبيل والنجدين وبعثت الرسل وقال الفراء معنى قوله :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
ما يكذب لدي ، لعلمي بجميع الأمور . قال القاضي أبو محمد : فتكون الإشارة على هذا إلى كذب الذي قال :
ما أَطْغَيْتُهُ
[ ق : 27 ] وقوله تعالى :
يَوْمَ نَقُولُ
يجوز أن يعمل في الظرف قوله :
بِظَلَّامٍ
ويجوز أن يعمل فيه فعل مضمر . وقرأ جمهور من القراء وحفص عن عاصم : « نقول » بالنون ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر والأعمش ورجحها أبو علي بما تقدم من قوله : « قدمت وما أنا » وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر : « يقول » على معنى يقول اللّه ، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأهل المدينة ، وقرأ ابن مسعود والحسن والأعمش أيضا : « يقال » على بناء الفعل للمفعول . وقوله :
هَلِ امْتَلَأْتِ
تقرير وتوقيف ، واختلف الناس هل وقع هذا التقرير ؟ وهي قد امتلأت أو هي لم تمتلئ فقال بكل وجه جماعة من المتأولين وبحسب ذلك تأولوا قولها :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
. فمن قال إنها كانت ملأى جعل قولها :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
على معنى التقرير ونفي المزيد ، أي هل عندي موضع يزاد فيه شيء ونحو هذا التأويل قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وهل ترك لنا عقيل منزلا » ، وهو تأويل الحسن وعمرو وواصل ، ومن قال : إنها كانت غير ملأى جعل قولها
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
على معنى السؤال والرغبة في الزيادة . قال الرماني وقيل المعنى : وتقول خزنتها ، والقول إنها القائلة أظهر . واختلف الناس أيضا في قول جهنم هل هو حقيقة أو مجاز ؟ أي حالها حال من لو نطق لقال كذا وكذا فيجري هذا مجرى : شكا إلي جملي طول السرى ، ومجرى قول ذي الرمة : تكلمني أحجاره وملاعبه . والذي يترجح في قول جهنم :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
أنها حقيقة وأنها قالت ذلك وهي غير ملأى وهو قول أنس بن مالك ، وبين ذلك الحديث الصحيح المتواتر قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه لجهنم هل امتلأت ؟ وتقول :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
حتى يضع الجبار فيها قدمه ، فتقول قط قط ، وينزوي بعضها إلى بعض » واضطرب الناس في معنى هذا الحديث ، وذهبت جماعة من المتكلمين ، إلى أن الجبار اسم جنس ، وأنه يريد المتجبرين من بني آدم ، وروي أن اللّه تعالى يعد من الجبابرة طائفة يملأ بهم جهنم آخرا . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن جلدة الكافر يصير في غلظها أربعون ذراعا » ويعظم بدنه على هذه النسبة ، وهذا كله من ملء جهنم وذهب الجمهور إلى أن الجبار اسم اللّه تعالى ، وهذا هو الصحيح ، فإن في الحديث الصحيح : « فيضع رب العالمين فيها قدمه » وتأويل هذا : ان القدم لها من خلقه وجعلهم في علمه ساكنيها ، ومنه قول اللّه تعالى :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ يونس : 2 ] فالقدم هنا ما قدم من شيء ومنه قول الشاعر [ الوضاح الخصي ] : [ المنسرح ]
صل لربك واتخذ قدما * ينجيك يوم العثار والزلل
ومنه قول العجاج : [ الرمل ] وسنى الملك لملك ذي قدم