تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
الغطاء قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » . وقوله تعالى :
وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ
، قال جماعة من المفسرين :
قَرِينُهُ
من زبانية جهنم ، أي قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الإنسان الكافر حاضر عتيد ، ففي هذا تحريض على الكافر واستعجال به . وقال قتادة وابن زيد :
قَرِينُهُ
الملك الموكل بسوقه ، فكأنه قال : هذا الكافر الذي جعل إلى سوقه ، فهو لدي حاضر . وقال الزهراوي وقيل :
قَرِينُهُ
شيطانه . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، وإنما أوقع فيه أن القرين في قوله :
قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ
هو شيطانه في الدنيا ومغويه بلا خلاف . ولفظ القرين : اسم جنس ، فسائقه قرين ، وصاحبه من الزبانية قرين ، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين وتحتمله هذه الآية ، أي هذا الذي أحصيته عليه عتيد لدي ، وهو موجب عذابه ، ومماشي الإنسان في طريقه قرين ، وقال الشاعر [ عدي بن زيد العبادي ] : [ الطويل ]
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي
والقرين الذي في هذه الآية ، غير القرين الذي في قوله :
قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ
إذ المقارنة تكون على أنواع ، وقال بعض العلماء :
قَرِينُهُ
في هذه الآية : عمله قلبا وجارحا ، وقوله عزّ وجل :
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ
معناه : يقال
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ
. واختلف الناس لم يقال ذلك ؟ فقال جماعة من المفسرين : هو قول الملكين من ملائكة العذاب . وقال عبد الرحمن بن زيد في كتاب الزهراوي : هو قول للسائق والشهيد ، وحكى الزهراوي أن المأمور بإلقاء الكافر في النار اثنان ، وعلى هذين القولين لا نظر في قوله :
أَلْقِيا
. وقال مجاهد وجماعة من المتأولين : هو قول للقرين : إما السائق ، وإما الذي هو من الزبانية حسبما تقدم واختلف أهل هذه المقالة في معنى قوله :
أَلْقِيا
وهو مخاطبة لواحد ، فقال المبرد معناه : الق الق ، فإنما أراد تثنية الأمر مبالغة وتأكيدا ، فرد التثنية إلى الضمير اختصارا كما قال [ امرؤ القيس ] : لفتك الأمين على نابل يريد ارم ارم . وقال بعض المتأولين : « ألقين » فعوض من النون ألف كما تعوض من التنوين . وقال جماعة من أهل العلم بكلام العرب : هذا جرى على عادة العرب ، وذلك أنها كان الغالب عندها أن تترافق في الأسفار ونحوها ثلاثة ، فكل واحد منهم يخاطب اثنين ، فكثر ذلك في أشعارها وكلامها حتى صار عرفا في المخاطبة ، فاستعمل في الواحد ، ومن هذا قولهم في الأشعار : خليلي ، وصاحبي ، وقفا نبك ونحوه ، وقد جرى المحدثون على هذا الرسم ، فيقول الواحد : حدثنا ، وإن كان سمع وحده ، ونظير هذه الآية في هذا القول قول الزجاج : يا حرسي اضربا عنقه ، وهو دليل على عادة العرب ، ومنه قول الشاعر [ سويد بن كراع العكلي ] : [ الطويل ]
فإن تزجراني بابن عفان أنزجر * وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 163 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى