تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
يجيئون يوم القيامة على أفواههم الفدام فيتكلم الفخذ والكف . ثم ذكر اللّه تعالى محاورتهم لجلودهم في قولهم :
لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
أي وعذابنا عذاب لكم . واختلف الناس ما المراد بالجلود ؟ فقال جمهور الناس : هي الجلود المعروفة . وقال عبد اللّه بن أبي جعفر : كنى بالجلود عن الفروج ، وإياها أراد . وأخبر تعالى أن الجلود ترد جوابهم بأن اللّه الخالق المبدئ المعيد هو الذي أنطقهم . وقوله :
أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
يريد كل ناطق مما هي فيه عادة أو خرق عادة . قوله عزّ وجل :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ
يحتمل أن يكون من كلام الجلود ومحاورتها ، ويحتمل أن يكون من كلام اللّه عزّ وجل لهم ، أو من كلام ملك يأمره تعالى . وأما المعنى فيحتمل وجهين أحدهما أن يريد : وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصي والكفر خوف أن يشهد ، أو لأجل أن يشهد ، ولكن ظننتم أن اللّه لا يعلم فانهملتم وجاهرتم ، وهذا هو منحى مجاهد . والستر قد يتصرف على هذا المعنى ونحوه ، ومنه قول الشاعر : [ الكامل ]
والستر دون الفاحشات وما * يلقاك دون الخير من ستر
والمعنى الثاني أن يريد : وما كنتم تمتنعون ولا يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم ، ولا تظنون أنها تصل بكم إلى هذا الحد ، وهذا هو منحى السدي ، كأن المعنى : وما كنتم تدفعون بالاختفاء والستر أن يشهد ، لأن الجوارح لزيمة لكم ، وفي إلزامه إياهم الظن بأن اللّه تعالى لا يعلم ، هو إلزامهم الكفر والجهل باللّه وهذا المعتقد يؤدي بصاحبه إلى تكذيب أمر الرسل واحتقار قدرة الإله ، لا رب غيره . وفي مصحف ابن مسعود : « ولكن زعمتم أن اللّه » . وحكى الطبري عن قتادة أنه عبر عن
تَسْتَتِرُونَ
ب « تبطنون » ، وذلك تفسير لم ينظر فيه إلى اللفظ ولا ارتباط فيه معه . وذكر الطبري وغيره حديثا عن عبد اللّه بن مسعود قال : إني لمستتر بأستار الكعبة إذ دخل ثلاثة نفر قرشيان وثقفي ، أو ثقفيان وقرشي ، قليل فقه قلوبهم ، كثير شحم بطونهم ، فتحدثوا بحديث ، فقال أحدهم : أترى اللّه يسمع ما قلنا ؟ قال الآخر إنه يسمع إذا رفعنا ، ولا يسمع إذا أخفينا . وقال الآخر : إن كان يسمع منه شيئا فإنه يسمعه كله ، فجئت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته بذلك ، فنزلت هذه الآية :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ
الآية ، فقرأ حتى بلغ :
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ
[ فصلت : 28 ] . وذكر النقاش أن الثلاثة : صفوان بن أمية وفرقد بن ثمامة وأبو فاطمة . وذكر الثعلبي أن الثقفي : عبد ياليل ، والقرشيان : ختناه ربيعة وصفوان ابنا أمية بن خلف ، ويشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية ، ويشبه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ الآية متمثلا بها عند إخبار عبد اللّه إياه ، واللّه أعلم . قوله عزّ وجل :

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 23 إلى 26 ]

وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 ) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 25 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 11 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى